ما قام به عامل إقليم شفشاون، حين ظهر في مشهد تقبيل يده من طرف عدد من المواطنين، أعاد إلى الواجهة نقاشًا شائكًا حول طبيعة حضور وزارة الداخلية في المشهد الأمني والسياسي المغربي.

لم يكن الأمر مجرد طقس شخصي عابر، بل كان تجليًا صريحًا لما يمكن تسميته بثقافة “الرعايا” في قلب الدولة التي تقول إنها اختارت مسار ترسيخ “المواطنة”.
لطالما وُصفت وزارة الداخلية بـ”أم الوزارات”، نظرًا لدورها المركزي في إدارة التراب الوطني، ولما تمثله من سلطة رمزية ومادية، لا توازيها أي وزارة أخرى من حيث النفوذ والقدرة على التأثير.
غير أن هذه المكانة لم تُترجم دائمًا إلى نموذج يُحتذى في الحكامة والديمقراطية، بل تحوّلت – في نظر كثيرين – إلى مصدر للتغول المؤسسي، يتناقض مع مبدأ دولة الحق والقانون، ويغذي نمطًا من العلاقة العمودية بين المواطن والسلطة.
في مشاهد متكررة عبر ربوع المملكة، لا يجد بعض رجال السلطة حرجًا في توجيه الإهانات إلى المنتخبين والموظفين والمواطنين على حد سواء، مستخدمين خطابًا سلطويًا، يتجاوز حدود اللياقة، وينال من كرامة المؤسسات.
قواد يصفعون مواطنين، وولاة يهددون مسؤولين جهويين، وأعوان سلطة يتصرفون بمنطق الوصاية والتفوق الطبقي، في مشهد يعيدنا إلى منطق “المخزن التقليدي” أكثر مما يعكس منطق الإدارة الحديثة.
والأخطر من ذلك، أن المجتمع ذاته، بسبب التهميش أو الخوف أو التورط في ثقافة التبجيل، صار يقبل – أو يُرغم على قبول – مشاهد مخزية، من قبيل تقبيل أيادي رجال السلطة، في ممارسات تعيد إنتاج مفهوم “الرعية” الخاضعة، بدل “المواطن” الشريك.
إننا بذلك لا نتحدث فقط عن تجاوزات فردية، بل عن تمظهرات سياسية وثقافية لمنظومة حكم لا تزال تتأرجح بين منطق السيادة الشعبية ومنطق الطاعة المطلقة.
الأدهى أن الوزير الوصي على القطاع، المسؤول الأول عن ضمان احترام الدستور والقانون، يُسجّل في حقه مواقف متكررة في تجاهل قرارات قضائية، مما يطرح علامات استفهام عميقة حول احترام مبدأ فصل السلط. ويكفي أن نُطالع التقارير السنوية لمؤسسة وسيط المملكة، حتى نكتشف أن وزارة الداخلية تتصدر القطاعات التي تتجاهل شكايات المواطنين، في تعبير صارخ عن غياب ثقافة المحاسبة والتواصل مع المجتمع.
وفي ظل هذه السطوة، تُحاط الوزارة بحصانة غير معلنة: المسؤولون المتورطون في سلوكيات مهينة لا يُحاسبون، بل يُنقلون إلى ما يُعرف بـ”الكراج”، أي الإدارة المركزية، قبل أن يُعاد تعيينهم في مناصب جديدة، كأن شيئًا لم يكن.
إنها وصفة جاهزة لإعادة إنتاج السلطة نفسها، مع تغييب تام لمبدأ المحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة.
هذا الواقع لا يُهدد فقط صورة الإدارة الترابية، بل يُقوّض أسس الثقة بين الدولة والمواطن، ويفرغ المفهوم الجديد للسلطة، الذي نادى به الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، من مضمونه الحقيقي.
المفهوم الذي بُني على الإنصات، والقرب، وخدمة المواطن، أصبح رهينة ممارسات ماضوية تُعيدنا إلى مربع “السلطان ورعاياه”، لا “المؤسسات ومواطنيها”.
إن مغرب اليوم، الذي يرفع شعارات العدالة المجالية والتنمية الجهوية والحكامة الترابية، لا يمكن أن يستقيم مع وزارة ما زالت تتصرف بمنطق التعليمات لا المصلحة العامة، وبمقاربة أمنية تغلب على المنطق التنموي.
لكي تستحق وزارة الداخلية لقب “أم الوزارات”، يجب أن تنسلخ من إرث التحكم، وتُعيد تشكيل علاقتها مع المجتمع على أساس المساواة، والكرامة، والمواطنة الفعلية.
فـ”الرعية” قد تُطأطئ الرأس وتُقبّل اليد، أما “المواطن” فيرفع رأسه، ويطالب بحقه، ويحمي القانون.
ففي نهاية المطاف، لا يمكن بناء دولة قوية إلا بمواطنين أحرار، لا برعايا خاضعين.















