البوح أشبه بالتقيؤ؛ يتقيأ المرء حينما لا تتحمل معدته المادة الدخيلة. كذلك هو الصحفي، ينطق بما يمليه عليه الواقع، لا بما تمليه عليه السلطة أو “دار المخزن” بالتسمية القديمة، التي امتزجت بالخوف من السجن أو الهروب من الأصفاد.

في لعبة الحكم، يوجد السياسي الذي يعمل جاهدًا للبقاء فوق المنصة، وتوجد الضحية: الرجل البسيط، ذو الأفق المحدود.
السياسي دائمًا رجل مزدوج المعايير؛ ينطق بما لا يعكس هواه بالضرورة، بل يراعي ما يمكنه أن يتملكه، ما يدفع البسطاء إلى التحول إلى ممثلين فوق خشبة المسرح، يكون فعلهم رهينًا بكاتب السيناريو والمخرج.
وبالعودة إلى عجلة التاريخ، وتذكُّر أفعال الماضي، أستحضر غايوس يوليوس قيصر أوغسطس جرمانيكوس؛ ذلك الإمبراطور الذي مارس طقوس الولاء للآلهة عبر التضحية بالرعايا.
إذا دققنا النظر وفحصنا ما سبق، نصل إلى أن السلطة تتكلم بضمير المتكلم؛ ضمير متصل بنفسه، منفصل عن الواقع.
أو بلغة أكثر بلاغة: يكتفي بتحريك الواقع بهواه. فالسّياسي ثمرة لسبب واحد: قبضته على السلطة.
في فيلم الراقصة والسياسي (La danseuse et le politique)، نرى كيف أن كليهما يثير انتباه الآخرين. الراقصة، بجسدها الذي يسمع إيقاع اللحن، تثير الراحة في نفوس الجمهور؛ تثير الباثوس.
أما السياسي، فيرتجل الخطاب مستخدمًا لغة تُثير الفعل في نفوس الجمهور.
إلا أن أحدًا منهم لا يبدأ بالحكمة كأساس للفعل.
حين اجتمع السياسي بالراقصة، اتضح أنه لا يخشى الجمهور بقدر ما يخاف الراقصة. ببساطة، لأنها الوحيدة التي يعترف لها بكينونته، من هو، وكيف بدأ مشواره.
يتذكر الحافلة التي نقلته إلى المدينة. يعرف منطق المدينة والهامش، يحسن لغة الهامش ويدرك تفاصيل المركز، فيعزف على الوترين معًا.
السياسي، سواء أكان محافظًا، يساريًّا، أم بيروقراطيًّا، يظل في النهاية رهين انفعالاته.
بين رجلٍ ترك ذاته خادمًا للقلم، وبين السياسة التي تُعمي أصحابها، وأحيانًا تجعلهم يبصرون، ينشأ النزاع. فالسياسة تدفع من يمارسها إلى ادّعاء الصداقة حتى يعثروا على “الحجر”. أما الصحافة،
فهي خط تحريري لا يدافع عن أحد، بل يخوض معاركه بناءً على الوقائع.
يختلط الحَابل بالنابل، ويكون الصراع هو المحرك الأساسي للتاريخ. لا وجود للعقل التعاطفي، بل للعقل الذي يعرف تمامًا مصالحه، أو ذلك الذي يجعل من الفضيلة أساسًا للعقل















