الصحفي والواعظ يخاطبان الناس في ضمائرهم؛ الأول يراهن على خبر آنٍ، أما الثاني فيستدل بخبر غابر. غير أن التشابه بينهما يكمن في قدرتهما على ترسيخ التوثيق داخل مخيلة الجمهور، فهما لا يستطيعان نسيان نفسيهما باعتبارهما شاهدين أصليين على العصر.
لذلك، فكل كلمة يتفوه بها أحدهما تُعدّ حقيقة إذا ما وُضع الصدق أساسًا للإنسانية.
الوعاظ والخطباء يخلقون واقعًا يؤثّر على الفعل مباشرة. وهذا يدفعنا للتأمل في مفارقة عميقة: إذا كان المواطن يُعاقب لأنه أقدم على فعل، فكيف نُحاسب الواعظ الذي يرتكب أفظع الجرائم من خلال تحريض رمزي أو توجيه مسموم.
الانحراف، بطبيعته، ليس وليد اللحظة، بل ثمرة ملوّثة بماضٍ متشظٍّ، مليء بآلام الأمة وأشباح أجدادها. لذلك، كل مسجونٍ يخاطب فيكم ضمائركم وصدق آرائكم، لأن وراء كل جريمة صرخة فهم واستغاثة لا تُسمع.
حين تكون الضحية امرأة أو طفلًا، فإننا أمام مستوى أعمق من الفهم، لأن الجاني لا يسرق المال فقط، بل يسرق الطفولة، الكرامة، والسكينة.
وهو، بطريقة سيكولوجية، يشرح للمجتمع أنه حالة مرضية مزمنة، وللسياسي أنه نتاج مباشر لسياسات استغلالية بشعة. غير أن السياسي لا يرى إلا جُرمًا قانونيًّا يجب حبسه ضمن بند قانوني أو مادة جنائية.
إن العلاقة بين الجريمة والسياسة علاقة دم، لا تُخفى. لقد رأينا السياسي “النزيه” الذي يدعو إلى الإصلاح، يتحوّل هو ذاته إلى الجلاد، ويبيد شعبًا بأكمله.
هنا تكمن المأساة: السياسة لعبة قمار، لكنها ليست شريفة. فصاحب الكازينو هو من يتحكم في قواعد اللعبة.
هذا المثل يُفسّر منطق الرأسمالية التي تُعلّب البشر، كما يفضح الاشتراكية التي تُخدّر الإبداع وتدوس على الفردانية. ومن هنا يعاود السؤال طرح نفسه: هل نحن شعب يساري أم محافظ؟ هل ديننا دين يساري، أم دين رأسمالي.
في مشهد رمزي: الكلب الصياد يقتنص فريسته ويُهديها لسيده. يعتقد الكلب أنه محترف في الصيد، بينما يفهم سيده أن الفريسة له لا للكلب. هكذا تُنسَج الأمور سياسيًّا: الحيلة تُغلفها الهيمنة.
تتكرر الخطابات التي تُحرك الجماهير، وتُقنعهم أن هؤلاء هم المخلّصون. لكن الزمن يكشف الزيف؛ عندما نرى طفلًا مشرّدًا، أو مريضًا عقليًّا يتسكّع في الشارع، أو حين تهاجمنا أوبئة بحجم كوفيد، ويتحول العالم إلى مسرح عبثي، بطله مجهول الهوية.
من المسؤول، أمريكا برأسماليتها، أم القوى التي تهدم بيوت الأبرياء وتترك الملايين فوق طاولات القمار. أم الراقصة التي تفهم في السياسة أكثر من خريجي العلوم السياسية.
نُذبح على أرضنا، ونُطعَم كسُجناء، وحين نتحدث، يُقال لنا: “حْنا درنا فيكم غير الخير”.
عندها يفقد الإنسان صوابه، يتشكل الحقد، ثم ينطفئ بصوت خطاب خادع، يوهمك أنك الظالم، إن أنت انتقدت “سيّدك”، رغم أنك تتقاسم معه نفس الهوية. وجوه تبعث الأسى على أصحابها، لا على من يشاهدها.
أتذكر قول نيتشه:
“إني لا أحبّ المنتقمين، وأفضّل أن يغلبني العادل على أن يغلبني المنتقم.”
يحيل هذا إلى أولئك البسطاء الذين ولجوا السياسة لا من أجل تحقيق العدل، بل للانتقام من طفولة محرومة، فحوّلوا ألمهم الشخصي إلى جرائم جماعية مقننة.
إنها جريمة سيكولوجية أولًا، لا تختلف عن الجرم البسيط. ولذلك، أُسامح نفسي… لأنها كانت ضحية نفسها.















