آه، يا لقلبٍ بات يئنُ حنيناً، و يا لروحٍ تشتاق لضجيج الأمس! لقد أصبحت المشاهد اليومية في مدننا، تؤكد تحولاً عميقاً ومؤلماً في نسيج أرواحنا الاجتماعية. فبينما كنا نحلم بالثورة الرقمية كجسر يربطنا بالعالم، تحولت إلى جدار جليدي يفصلنا عن بعضنا البعض، وبدا وكأنها تغلق أمامنا أبواب التفاعل الإنساني الصادق.
إن الشعور السائد اليوم هو التباطؤ الموجع في وتيرة الحياة والحركة، أو ما نشعر به بوجع كـ”انسحاب البركة”، هذا الإحساس بالوهن القاتل نجده متجسداً بوضوح في نوادينا الاجتماعية: المقاهي.
كان المقهى، تقليدياً، بمثابة قلب ينبض بالحياة الفكرية والاجتماعية؛ مكاناً لتبادل الضحكات الصاخبة والأفكار المتفجرة، ومختبراً حميماً لولادة المشاريع العفوية والقرارات المصيرية. اليوم، المشهد مغاير وموحش: ترى مجموعات جالسة معاً، لكنها كأرواح متجمدة منفصلة؛ كل فرد مُنغمس في شاشة هاتفه الباردة، وقد غاب “الضجيج” الدافئ الذي كان يشعل فتيل الأفكار ويهدينا إلى الفعل.
هذا التحول يمثل انحداراً مُدمراً في دفء أرواحنا، فالفكرة، لكي تتبلور إلى قرار ثم إلى فعل ونشاط وحركة تملأنا بالحياة، تحتاج إلى عملية “مشاطرة” صادقة، تحتاج إلى الاحتكاك البشري المباشر والجدل العفوي المليء بالعاطفة.
لكن حين يتحول الهاتف إلى سجن زجاجي يعزل الأفراد، فإننا نلمس الموت البطيء وغير الرحيم لعملية التفكير الجماعي، التي كانت تُغذي حركة أسواقنا وأزقتنا بالبركة والخير. ويزداد الأمر قتامة مع صعود نجم الذكاء الاصطناعي ،
هذا “الضيف الجديد” الذي يُستقبل بابتسامة صفراء واعدة بالنعيم، لكنه في الواقع، بدأ يمارس سلطته كـ”ذكاء أذكى الكسل”،
ففي الوقت الذي كان يُفترض أن يكون أداةً لنا، تحول إلى بديل عن القلب والعقل والاجتهاد العقلي. أصبحت الغالبية (و ليس الكل) تتكل عليه في إنتاج كل شيء، مما أدى إلى سلب الجهد الفكري للأجيال، إن العقل البشري، كأي كنز، يضمر بالخمول، وهذه التكنولوجيا تُغرينا بهذا الخمول وتُفقِدنا قيمة البحث والخطأ الذي كنا منه نتعلم.
هذا التباطؤ لا يقتصر على المقهى وحسب، بل أصبحنا نلمس تأثيره القاسي في حياتنا الحضرية كلها: فالأزقة والساحات و الشوارع لم تعد تعج بـالحركة والنشاط والبركة الروحية، تلك البركة التي تخلق الشعور بالانتعاش والنشاط الذي يغذيه التفاعل البشري المستمر. والأدهى والأمر هو فقدان البراءة الطفولية؛ فحتى أطفالنا، الذين كانوا يمثلون شعلة الحركة والطيش الجميل،
لم يعودوا يلعبون في الشوارع لـ”يعرقلوا المارة والجارة”، فقد تملكهم الهاتف، الذي أصبح نقمة ساحقة في سياق فقدان التفاعل، بعد أن كنا ننتظره كـنعمة واعدة. الغالبية تملكهم هذا الهاتف الذي حولنا إلى جزر معزولة، مما أسس لنمط حياة جديد يتميز بالسرعة الرقمية الكاذبة والبطء الاجتماعي المؤلم.
إننا اليوم نشهد عملية “تجميد” مُحزنة للحياة المجتمعية التي كانت تعتمد على الدفء البشري والاتصال المباشر. هذا الموت البطيء الذي نلمسه لحياتنا هو ثمن غير مرئي ندفعه مقابل هذا التقدم التكنولوجي الجامح.
وفي ظل استمرار هيمنة الشاشات وتصاعد اعتمادنا على الذكاء الاصطناعي في كل تفاصيلنا، يبقى السؤال الذي يمزق الروح ويفرض نفسه بقوة على مستقبلنا: هل سنفيق يوماً من سُباتنا الرقمي ونستطيع استعادة “بركة” الحركة، ودفء الأفكار المتشاطرة، والاجتهاد العقلي المباشر، قبل أن يُفرغ الهاتف والذكاء الاصطناعي شوارعنا، وأسواقنا، وقبل كل شيء، أرواحنا، من الحياة الحقيقية، مُحولين إيانا إلى أشباح رقمية تعيش للأبد في محيط افتراضي بارد؟















