سيأتي يوم وتفتح فيه دفاتر هذه الإبادة، يومها لن تكون الصور مجرد صور، ولا الأسماء مجرد أسماء، ولا الدماء المسفوحة مجرد أرقام.
سيسأل العالم: أين كنتم حين كان الصحفيون يستهدفون ويقتلون لأنهم اختاروا أن يكونوا شهودا؟

في مثل هذا اليوم من السنة الماضية 10غشت2025، كان كيان الإرهاب الصهيوني يواصل كتم أصوات الحقيقة وإخراس الكلمة الحرة. في محيط مستشفى الشفاء الطبي، كانت هناك خيمة صغيرة للصحفيين.
لم تكن ثكنة عسكرية، كانت مكانا يجتمع فيه صحفيون لا يحملون رصاصا أو رشاشا بل كل ما كان في حوزتهم هو ميكروفون و كاميرا يحاولون أن ينقلوا عبرهما حقيقة ما يحدث في غزة إلى العالم.
أنس الشريف ومحمد قريقع. صوتان أصبحا جزءا من ذاكرة غزة. كانا يخرجان إلى الميدان في نفس الوقت الذي كان فيه الآخرون يبحثون عن مكان آمن. ينقلان القصف ومشاهد الدمار، يوثقان الركام و الأشلاء و الجنائز، ويتحدثان أمام الكاميرا بينما الموت يحيط بهما من كل جانب.
وكان إلى جانبهما زملاؤهما المصورون الصحفيون: محمد نوفل، إبراهيم ظاهر، محمد الخالدي، ومؤمن عليوة. ثم جاءت الغارة الغادرة ليلا، في رمشة عين تحولت خيمة الصحفيين إلى مسرح موت.
سقط أنس.
وسقط محمد.
وسقط زملاؤهما،
ستة صحفيين دفعة واحدة!
ستة أصوات كانت تقول للعالم: انظروا إلى غزة ، استشهدوا جميعا ولم ينج منهم أحد. لكن الجريمة لم تستطع أن تقتل ما تركوه خلفهم، فأنس الشريف ذلك الصحفي المجوع الذي كان ينقل جوعه إلى العالم لم يكن مجرد صحفي يظهر على الشاشة
بل كان صوت غزة، ومن منا لا يتذكر ذلك المشهد.
كان أنس الشريف يقف أمام الكاميرا، يحمل الميكروفون، ويحاول أن ينقل للعالم ما يحدث في غزة.
لكن في ذلك اليوم، لم يكن ينقل أخبارا عن المجاعة و التجويع فقط بل كان ينقل جوعه وهو بعيد عن أسرته التي كانت تواجه الجوع نفسه على غرار الآلاف من الأسر المجوعة في قطاع غزة، حاول أن يكمل تقريره عن مأساة المجاعة والتجويع في قطاع غزة فانهمرت دموعه وتوقف عن الكلام، سكت.. ثم صاح ذلك الصوت من خلفه، صوت أحد سكان القطاع: “استمر يا أستاذ أنس… استمر، أنت صوتنا” فاستمر أنس.
استمر رغم التجويع والقصف والخوف، ورغم أن الكاميرا التي كانت أمامه لم تكن تحميه من الموت. استمر لأنه كان في تلك اللحظة أكثر من صحفي. كان عين غزة حين أُغمضت عيون العالم، وكان صوتها حين حاول الجوع والقصف والحصار أن يخرس صوتها.
واليوم، حين نستعيد ذلك المشهد، لا نستعيد فقط دموع الشاهد الشهيد أنس الشريف ، بل صوت غزة الذي دخل بيوتنا واستقر فيها.
محمد قريقع بدوره لم يكن مجرد صحفي يحمل ميكروفونا وكاميرا، بل كان شاهدا على تلك الإبادة الجماعية الممنهجة ، يقف حيث تسقط الأطنان من القنابل بين الركام وأمام جثامين الأطفال ليحمل مشاهد الإبادة إلى العالم، كل صورة وثقها أو تقرير أعده كانت شهادة على مايحدث في القطاع.
ولعل أكثر المشاهد التي تختصر حكاية الشاهد الشهيد محمد قريقع، ذلك المشهد حين ارتدى الخوذة التي كان يلبسها زميله اسماعيل الغول ، و وقف في نفس المكان الذي كان يقف فيه ليواصل الرسالة التي حملها زميله الشهيد من قبله.
ارتداها، وحمل كاميرته، ومضى إلى الميدان وهو يعلم أن مهمته ليست أن يكون بعيدا عن المأساة، بل أن يكون شاهدا عليها،
فاغتيل محمد قريقع لأنه كان شاهدا يحمل ذاكرة و مأساة شعب بأكمله!
و زملاؤهما محمد نوفل، وإبراهيم ظاهر، ومحمد الخالدي، ومؤمن عليوة، لم يكونوا مجرد مصورين يحملون كاميراتهم ، كانوا بدورهم شهودا يحملون ذاكرة مدينة أبيدت عن بكرة أبيها و يحفظون بعدساتهم تفاصيل شعب يباد كل يوم بأبشع الطرق.
قد يدفن الجسد لكن الحقيقة لا تدفن.
رحم الله أنس الشريف، ومحمد قريقع، ومحمد نوفل، وإبراهيم ظاهر، ومحمد الخالدي، ومؤمن عليوة.
إلى جنة الخلد يا عرسان الشهادة…
نبكيكم، ونحن لم نعرفكم إلا أصواتا للحقيقة، و وجوها للكلمة الصادقة ، وعدسات رفضت الإنحناء أمام الموت و الخذلان.
تغمدكم الله بواسع رحمته، وألهم ذويكم الصبر والسلوان.
أما دماؤكم الطاهرة، ستظل وصمة عار في جبين كل من رآكم تقتلون، ثم اختار الصمت.
أين كنتم حين كانوا الصحفيون يغتالون لأنهم كانوا شهودا على المذبحة؟
سيأتي يوم، وسيُطرح السؤال من جديد، أين كنتم عندما كان الصحفي يقتل لأنه رأى و وثق و روى؟















