يواجه الناشط الحقوقي إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان —وهي جمعية وطنية تحظى بصفة استشارية لدى الأمم المتحدة بجنيف ونيويورك— ظروفاً صحية وإنسانية حرجة إثر اعتقاله ومحاكمته ابتدائياً بثلاث سنوات سجناً نافذاً.
وفي وقت تؤكد فيه أسرته ومتابعو مساره النضالي أن الملف ينطوي على استهداف مباشر لنشاطه الحقوقي وضغطه على لوبيات العقار، تحاور جريدة “لوبوكلاج” من خلال لقاء خاص مع زوجته، السيدة أبو قاسم، لتفكيك خلفيات الاعتقال، وملابسات الشيك والسيارة، ومكامن الخروقات التي طالت المحاكمة.
وقد جرى هذا الحوار بمنزل السدراوي، يوم الجمعة 18 شتنبر الجاري، بمدينة القنيطرة.
س. أهلاً بك السيدة أبو قاسم معنا في هذا اللقاء، سنتحدث عن محاكمة وسجن الناشط الحقوقي إدريس السدراوي رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان. لكن قبل ذلك، علمنا أنه اعتُقل مباشرة بعد تعرضه لوعكة صحية، فكيف هي حالته الصحية حالياً داخل السجن؟
ج. أهلاً بكم. السدراوي يتواجد حالياً في السجن وهو يعاني من وضع صحي حرج؛ إذ يشتكي من داء النقرس الذي أدى إلى انتفاخ حاد في ركبته، وهو بحاجة ماسة إلى إجراء طبي عاجل لاستخراج السوائل المتراكمة فيها. وبحسب ظروف الاعتقال القاسية، فهو ما يزال يستعين بالعكاز لكي يستطيع المشي والمواظبة على حضور جلسات المحاكمة رغم آلامه الشديدة.
س. ما هي التهم الرسمية الموجهة للسدراوي؟ وكيف سارت مجريات محاكمته ابتدائياً؟
ج. وُجّهت للسدراوي تهم كثيرة وثقيلة، لكن التهمة الأساسية التي اعتُقل لأجلها كانت بخصوص “شيك”. والغريب في الأمر أن هذا الشيك لا يعود له مطلقاً، ولدينا كل الإثباتات والوثائق التي تؤكد قطعياً أنه مكتوب باسم شخص آخر غير إدريس السدراوي.
ومما يبعث على الاستغراب الشديد: كيف تم دمج ملف هذا الشيك مع ملف آخر يتعلق بالنصب والتزوير في تجارة السيارات؟ فالسدراوي لا علاقة له بتجارة السيارات من قريب أو بعيد، وهو في غنى تام عن قيمة السيارة موضوع النزاع، والتي يطالب المشتكي بقيمتها البالغة 50,000 درهم (وهو نفس المبلغ المدون في الشيك المشار إليه).
وبما أن المشتكي يدعي -حسب رواية النصب- أن المبلغ سَيُقسّم على أربعة أشخاص، والسدراوي أحدهم، فكم سيكون نصيبه من هذه العملية؟ إنه مبلغ لا يساوي شيئاً مقارنة بذمته المالية ومكتسباته من إرث والده المتوفى -وهو ابنه الوحيد- إضافة إلى وظيفته المقررة بالمكتب الوطني للماء والكهرباء.
س. إذاً ما هي الحقيقة الميدانية لما وقع بين أطراف هذه القضية؟
ج. الواقع الحقيقي أن البائع والمشتري للسيارة هما صديقان للسدراوي، وحدث بينهما نزاع تجاري، فجاء أبناء المعتقل الأول يبكون ويطلبون تدخل السدراوي لإجراء صلح بحكم مكانته. وبالفعل اتصل السدراوي بالمشتكي، ورغم ظروف مرضه استقبلهم في بيته وأجرى صلحاً أخوياً بين الطرفين. ولدينا تسجيلات صوتية توثق تفاصيل هذا الصلح، وتم تفريغها عبر محضر رسمي لدى مفوض قضائي، غير أنها للأسف لم تُدرج ولم تُؤخذ بعين الاعتبار في المحكمة.
امتداداً لهذا، نتساءل جميعاً: لماذا تم البت في هذا الملف الآن تحديداً، علماً أن الشكاية موضوعة منذ سنة 2023؟ ولو كان السدراوي يمارس النصب في تجارة السيارات، فلماذا لم تُوجّه ضده أي شكاية أخرى عبر مساره سوى هذه؟ ثم إنه مع وجود تنازل رسمي بالملف، أليس من المفترض قانوناً أن تسقط الدعوى؟
أضف إلى ذلك استغرابنا الشديد من الحكم الصادر بثلاث سنوات سجناً نافذاً، دون منح الدفاع الفرصة الكاملة للترافع، ودون السماح لشاهدنا بالإدلاء بشهادته، على عكس شاهد الخصم الذي استُمع إليه أمام المحكمة.
أليست هذه خروقات مسطرية تشوب المحاكمة والتحقيق لدى الضابطة القضائية؟ خاصة وأن النيابة العامة لم تستدعِ طرفاً رئيسياً ملقباً بـ”مول الحوت”، والذي استغربنا تواجده أمام مركز الشرطة يوم التحقيق مع السدراوي دون أن يكون مستدعَى رسمياً! في حين تم تقديم السدراوي واعتقاله في نفس اليوم.
كما نستغرب كيف نسبت المحكمة للسدراوي الادعاء بالتواجد في أماكن بتواريخ محددة، في حين أنه كان خارج المغرب في تلك الفترة، وأدلى بجميع الوثائق والجوازات التي تثبت مغادرته للتراب الوطني، دون أن تُعطى أي قيمة لإثباتاته الرسمية!
س. هل من كلمة أخيرة يود أهله وجمعيته توجيهها للرأي العام والعدالة؟
ج. قبل الختام، أود فقط التذكير بالقاعدة الفقهية والقانونية الذهبية: “أن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”. وهذه مناشدة صريحة نتوجه بها إلى هيئة القضاء الاستئنافي لرفع هذا الظلم الصارخ الذي تعرض له السدراوي.
ورداً على تساؤل تكرر كثيراً حول سبب احتضان منزل السدراوي للصلح: أقول إنه إضافة إلى كون الصلح خيراً وتزكيه السلطات دائماً، فإن السدراوي رجل حقوقي عاش حياته بيته مفتوح لاستضافة النخب والمواطنين وكل من قصد مساعدته.
تضيف السيدة أبو قاسم، “وكلنا أمل وثقة كاملة في القضاة والنواب في المرحلة الاستئنافية لإنصاف هذا الرجل، وأخذ التنازل الموجود بالملف بعين الاعتبار، وكشف الحقيقة الخفية وراء هذه القضية؛ والتي ليست سوى استهداف مباشر لرجل حقوقي بسبب تشويشه ومحاربته لمصالح لوبيات العقار والإتجار في الأراضي”.















