أعاد تضارب الأرقام والإحصائيات المتعلقة بحصيلة ضحايا أحداث العبور الجماعي بين مدينة الفنيدق ومدينة سبتة المحتلة النقاش حول دقة المعطيات المتداولة ومصادرها، بعدما قدمت السلطات المغربية والإسبانية، إلى جانب جمعيات حقوقية ووسائل إعلام، حصائل متباينة بشأن عدد الوفيات والمفقودين، في مشهد يطرح تحديات مهنية أمام وسائل الإعلام خلال تغطية الأزمات الإنسانية.
فبحسب آخر المعطيات الصادرة عن السلطات الإسبانية، بلغت حصيلة الوفيات 75 وفاة، حسب ما أعلن عنه وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، اليوم الثلاثاء على هامش اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي. مع استمرار عمليات البحث والتعرف على هويات الضحايا. كما أكدت الحكومة المحلية بمدينة سبتة أن فرق الإنقاذ واصلت عملياتها للتعامل مع تداعيات محاولات العبور الجماعي، في وقت استمرت فيه عمليات البحث عن المفقودين.
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية المغربية تسجيل 11 حالة وفاة داخل التراب الوطني، مؤكدة أن هذه الحصيلة تستند إلى الحالات المؤكدة التي جرى توثيقها من قبل السلطات المختصة.
ومن بين المعطيات التي ساهمت في اتساع النقاش، ما أوردته جريدة ‘أخبارنا’ الإلكترونية استنادا إلى معطيات ميدانية، حيث أفادت بأن مستودع الأموات بمصلحة الطب الشرعي بمدينة تطوان استقبل 20 جثة على خلفية الأحداث. وأضافت الجريدة أنه جرى تسليم 6 جثث إلى ذويها، فيما بقيت 14 جثة في انتظار استكمال إجراءات التعرف على الهوية وإنهاء المساطر القانونية، مع الإشارة إلى أن عددا من الضحايا لم يتم التعرف على هوياتهم بعد، وأن من بينهم مغاربة وأشخاص من جنسيات أخرى.
ومن جهته، أصدر فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتطوان بلاغين بشأن تطورات الأحداث. ففي البلاغ الأول، أعلن الفرع أن السلطات أوقفت 9 أشخاص، من بينهم 5 قاصرين، على خلفية أحداث العبور الجماعي، مشيرا إلى متابعته لأوضاعهم القانونية ورصد مجريات الملفات بما يضمن احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
أما في بيان الجمعية الثاني، فأكد الفرع أن المعطيات المتداولة إلى حدود مساء 31 من يوليوز المنصرم، تشير إلى تمكن ما يقارب 60 ألف شخص من الوصول إلى سبتة، وفق تصريح لعمدة المدينة، مقابل إعادة أكثر من 45 ألف شخص من قبل السلطات الإسبانية. وأضاف أن وسائل إعلام إسبانية تحدثت عن 77 وفاة، وحسب ماجاء في بلاغ الجمعية المغربية لحقوق الانسان فإن مصادر مغربية تحدثت عن ارتفاع حصيلة الضحايا إلى ”129 وفاة بين الجانبين”، إلى جانب عشرات الإصابات وحالات الفقدان، معتبرا أن الحصيلة تبقى مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.
واعتبر الفرع أن الأحداث تعكس تفاقم الأوضاع الإنسانية بالمنطقة، مطالبا بفتح تحقيق مستقل ونزيه في جميع الانتهاكات التي رافقت هذه الوقائع، والكشف عن مصير جميع المفقودين، وتمكين عائلاتهم من الولوج إلى المعلومات المتعلقة بهم، وضمان المعاملة الإنسانية للمهاجرين والمهاجرات، كما انتقد ما وصفه بغياب التواصل الرسمي الكافي بشأن أعداد الضحايا والمفقودين.
وفي تصريح خص به جريدة لوبوكلاج قال إبراهيم الاشهب الأمين الوطني للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إن تضارب الأرقام يعكس “تضارب المصالح وغياب الحقيقة الموحدة”، موضحا أن اختلاف الحصائل يعود إلى تباين الخلفيات السياسية والإعلامية، حيث تقدم كل جهة معطيات تنسجم مع زاوية معالجتها للأحداث.
وأضاف الأشهب أن الرابطة لا تنخرط في ما وصفه بـ”معركة الأرقام”، معتبرا أن التركيز يجب أن ينصب على البعد الإنساني للمأساة، وعلى الأسباب الاجتماعية والسياسية والتدبيرية التي أدت إليها، محذرا من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تكرار مثل هذه الأحداث مستقبلا.
وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور الحسين بكار السباعي، دكتور في الإعلام والهجرة وحقوق الإنسان، في تصريحة لجريدة لوبوكلاج، أن التباين في الإحصائيات يعود إلى اختلاف النطاق الجغرافي ومنهجيات التوثيق المعتمدة من قبل مختلف الجهات، مبرزا أن السلطات المغربية تعتمد الحالات المؤكدة طبيا وقضائيا داخل نطاق اختصاصها، بينما توثق السلطات الإسبانية الحالات الواقعة ضمن مجالها الحدودي، في حين تستند بعض الهيئات الحقوقية إلى البلاغات الأولية وحالات المفقودين، فضلا عن استمرار عمليات البحث والإنقاذ التي تجعل الحصيلة قابلة للتحيين بشكل متواصل.
وأضاف السباعي، مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي بالمركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية، أن سرعة تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واعتماد بعض المنابر على معطيات غير مكتملة أو غير مدققة، ساهمت في تضخيم الجدل حول الأرقام، مشددا على أن المسؤولية المهنية تقتضي إسناد كل رقم إلى مصدره، والتمييز بين الوفيات المؤكدة والمفقودين، مع تفسير السياقات القانونية والجغرافية التي تفسر هذا التفاوت.
وفي انتظار استكمال عمليات البحث والتعرف على جميع الضحايا، وإصدار معطيات رسمية محينة، يظل تضارب الإحصائيات أحد أبرز التحديات التي تواجه التغطية الإعلامية لهذه المأساة، بينما لم تتوصل جريدة لوبوكلاج إلى رد من بعض الجهات الرسمية التي تم التواصل معها للحصول على معطيات إضافية، وهو ما يجعل الوصول إلى حصيلة نهائية وموحدة رهينا باستكمال عمليات التوثيق والتحقيق.















