في زمن تكلف الكلمة صاحبها الكثير، يقف علي لمرابط صامدا، مؤمنا بأن للحق صوتا يجب رفعه، وأن الحرية لا تنتزع إلا بمن يجرؤ على الدفاع عنها. علي لمرابط قصة صحفي شق طريقه وسط جدل لم يفارقه يوما، وظل القلم بالنسبة إليه أداةً للمساءلة وكشف المستور، قبل أن يكون وسيلةً لنقل الخبر. وعلى امتداد أكثر من عقدين، تعاقبت المحطات بالمشهد الإعلامي المغربي، لكن اسمه ظل حاضرًا كلما عاد النقاش حول الصحافة وحرية التعبير في المغرب.
حياة شخصية بعيدة عن الأضواء
شهدت مدينة الحسيمة، في الثلاثين من دجنبر سنة 1959، ميلاد الطفل علي لمرابط، من أصول أمازيغية ريفية، لعائلة متواضعة. نشأ في بيئة غرست فيه بساطة العيش والتمسك بالقناعة، قبل أن تقوده سنوات الدراسة إلى مدينة القنيطرة، حيث نال شهادة البكالوريا. ولم يتوقف شغفه بالمعرفة عند حدود المغرب، إذ شد الرحال إلى فرنسا لمتابعة دراسته العليا في التاريخ بجامعة السوربون في باريس، وهي محطة ستمنحه أفقًا فكريًا أوسع، وتترك بصمتها الواضحة على نظرته إلى الصحافة والسياسة.
وعلى خلاف حضوره اللافت في الفضاء العام، يحرص علي لمرابط على إبقاء حياته الشخصية بعيدة عن الأضواء. متزوج من لاورا فيليو، أستاذة جامعية إسبانية، يعيش معها في برشلونة، حيث ربيا أبناءهما بعيدا عن عدسات الإعلام. كما يحمل، إلى جانب جنسيته المغربية، الجنسيتين الفرنسية والإسبانية، كرّس حياته لمزاولة صحافة حرة ومستقلة، رغم كل القيود التي فرضت عليه، والصعوبات التي أحاطت به منذ بداياته، محافظا على الفصل بين معاركه المهنية وخصوصية أسرته.
المسار المهني.. بين أوراق الجرائد وجدران المحاكم
وقبل دخوله عالم الصحافة، عمل علي لمرابط في السلك الدبلوماسي المغربي، حيث شغل مهمة دبلوماسية بسفارة المغرب بالأرجنتين، قبل أن يتفرغ للعمل الإعلامي في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
لم يدخل علي لمرابط عالم الصحافة باحثًا عن الشهرة، بل عن مساحة يكتب فيها بحرية. بدأ مشواره بين سنتي 1997 و1998 بمجلة “La Vie Économique”، قبل أن يلتحق سنة 1998 بالجريدة الأسبوعية “Le Journal Hebdomadaire” مراسلًا، ويتدرج فيها إلى منصب رئيس التحرير، حيث بدأ اسمه يلفت الأنظار بفضل أسلوبه الناقد للقضايا الاجتماعية والسياسية في المغرب.
ومع مطلع الألفية الثانية، قرر علي لمرابط أن يخوض تجربته الخاصة، فأسس جريدته الأسبوعية الأولى “Demain” باللغة الفرنسية سنة 2000، غير أنها لم تصمد طويلا في وجه قيود السلطة، بعدما حُظرت في العام نفسه. ليعيد إطلاقها سنة 2001 تحت اسم “Demain Magazine” كأسبوعية ساخرة باللغة الفرنسية، كما أصدر النسخة العربية منها تحت اسم “دومان”، وتولى إدارتها إلى غاية توقفها سنة 2003. تميزت المجلتان بطابعهما اللاذع، واعتبرتهما السلطات المغربية متجاوزتين لخطوطها الحمراء.
على إثر محتويات المجلتين، حُكم على علي لمرابط بأربعة أشهر سجنا، بأواخر سنة 2001، ثم صدر في حقه، في شهر ماي سنة 2003، حكم جديد بالسجن لمدة أربع سنوات، خُففت لاحقا إلى ثلاث، بسبب نشره رسوما كاريكاتورية ساخرة عن الملك محمد السادس.
ولم تتوقف المواجهة عند السجن، إذ صدر في حقه قرار يقضي بمنعه من ممارسة الصحافة لمدة عشر سنوات، بعد نشره بجريدة “El Mundo” الإسبانية، التي اشتغل بها مراسلا لمنطقة المغرب العربي خلال سنوات إقامته في إسبانيا، تحقيقا يفيد بأن ساكنة مخيمات تندوف الصحراوية ليسوا رهائن لدى جبهة البوليساريو، بل لاجئون معترف بهم من طرف الأمم المتحدة. غير أن المنع لم يكن النهاية بالنسبة له، ففي يوليوز 2015، دخل في إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة باسترجاع وثائقه الإدارية، وبعد ذلك وافقت السلطات على منحه وثائق رسمية تسمح له باستئناف عمله الصحفي، رغم أنه لا يستطيع، عمليا، إلى حدود الآن، ممارسة الصحافة داخل المغرب.
وفي تصريحاته، التي غالبا ما يدلي بها لوسائل الإعلام الإسبانية، يؤكد علي لمرابط باستمرار أنه صحفي لا يمارس سوى حقه في حرية التعبير، وأن انتقاداته لا تنطلق من ضغينة شخصية تجاه أي فرد، بل من قناعة بأن الصحافة تتسع للرأي المؤيد كما للرأي المعارض. وفي قراءته للأحداث والسياسات، يختار لمرابط تسليط الضوء على الجوانب التي يراها محل تساؤل أو تقصير، بدل الاكتفاء بإبراز الجوانب الإيجابية.
وحصل علي لمرابط أيضا، سنة 2019، على جائزة “Veu Lliure” من نادي القلم الكتالوني “PEN Club Català”. ومنذ ذلك الحين، يعيش علي لمرابط في المنفى ببرشلونة، رفقة زوجته الإسبانية لاورا فيليو واثنين من أبنائه، ولا يزال يدين انتهاكات حقوق الإنسان وحرية التعبير في المغرب.
كما واصل مزاولة الصحافة بعدة منابر إعلامية إسبانية وفرنسية، مثل جريدة “El País”، ومجلة “Le Monde diplomatique”، إلى جانب عمله مراسلا لجريدة “El Mundo” الإسبانية بمنطقة المغرب العربي. وأطلق قناة على منصة يوتيوب اعتبرها امتدادا للخط التحريري الذي تميزت به مجلة “دومان”، نشر فيها تحليلات سياسية وانتقادات عديدة للنظام المغربي، مستفيدا من هامش الحرية الذي توفره هذه المنصات الرقمية، رافعا صوته في وجه كل من حاول منعه من ممارسة مهنته، وتكميم حقه في التعبير.
وعُرف علي لمرابط داخل الأوساط الصحفية والحقوقية بكونه شخصية لا تميل إلى الاستسلام والمهادنة، ولا ترى في الضغوط سببا للتراجع. فقد واصل التعبير عن تمرده في فيديوهات يوتيوب، يتمرد على كل قرارات توقيفه، ويضربها عرض الحائط، مسترسلا في مزاولة نشاطه الإعلامي حتى خارج المغرب، ومواجها بذلك المنفى الذي فرضته عليه السلطات، بمنفى اختياري يدافع فيه عن توجهه التقدمي وحقوق الإنسان.
ولعل لمرابط ليس مجرد صحفي أثار الجدل، بقدر ما هو تجربة تختزل علاقة الإعلام بالسلطة، والكلمة بالحرية، والصوت بالحق. لا يمكن تلخيص سيرته في بضعة سطور، لا في نفي، ولا في سجن، ولا في منع من مزاولة المهنة، فهو مثال حقيقي لصحافة تأبى إلا أن تقوم بواجبها، صوت ساخر، قاس وشاذ، لكنه صادق. وما أحوج الصحافة المغربية إلى التحلي بالبحث الصادق عن الحقيقة، بعدم الاكتفاء بنصف الكوب الممتلئ، بل بالجرأة على التحديق في نصفه الفارغ.















