من قلب العاصمة المغربية الرباط، وعلى أرض الموقع الأثري العريق شالة، عاد عرض “نوستالجيا” في موسمه الثالث ليمنح الجمهور تجربة فنية فريدة تعيد إحياء الذاكرة الجماعية المغربية.

هذا العمل المسرحي، الذي يحمل توقيع المخرج المبدع أمين ناسور، لا يكتفي بسرد التاريخ، بل يحوّله إلى رحلة حسية تنصهر فيها الموسيقى والشعر والتمثيل، في فضاء نابض بأصالة الماضي وروح الحاضر.
تحت أنوار صممت بعناية لتعكس عبق العصور، عاش الحاضرون لحظات فنية استثنائية تروي قصة حضارات تعاقبت على أرض المغرب، من الفينيقيين والرومان إلى المرينيين، في توليفة بصرية وسمعية تجسد التوثيق الفني والزمن الحي.
التميز في العرض لم يكن فقط في الإخراج أو الفضاء التاريخي، بل أيضًا في توليفة الفنانين المشاركين، حيث جمع بين أسماء وازنة في الساحة الفنية المغربية ومواهب شابة صاعدة، ما أضفى عليه عمقًا إنسانيًا وجماليًا متجددًا.
أشرف مسياح، الذي أبدع في دور “يعقوب” ضمن مسلسل “الشرقي الغربي”، وها هو اليوم يعود إلى “نوستالجيا” بعد أن شارك في نسخته الأولى عندما كان لا يزال طالبًا. وصرح لجريدة لوبوكلاج :
“تجربتي في عرض ‘نوستالجيا: روح شالة’ كانت تجربة جميلة جداً واستثنائية. علاقتي بهذا المشروع علاقة حميمية للغاية، لأنني شاركت فيه عندما كنت لا أزال طالباً، في نسخته الأولى التي أقيمت بشالة سنة 2023، وها أنا أشارك فيه من جديد الآن بعد تخرجي، بروح ودماء جديدة.
ألعب في هذا العرض دور ‘روح شالة’، هذه الروح التي جاءت من الماضي إلى الحاضر لتستقبل الناس وترافقهم في جولة عبر الحضارات القديمة، وتحكي لهم كيف عاش أجدادهم على نفس هذه الأرض.”
ومن نَفَس الحنين إلى دفء الحكاية، يأتي أيمن رحيم، الذي تألق هو الآخر في “الشرقي الغربي” وأطل مؤخرًا في فيديو كليب للرابور Draganov. في “نوستالجيا”، تقمص شخصية الأمير أبو عنان المريني، و عبر :
“نوستالجيا روح شالة، روح أعطت للشالة روحاً، عادت الحياة تنبض بها من جديد. أما بخصوص التجربة، فكانت مليئة بالمعرفة وتركيز على المعلومات التاريخية، وأنا كممثل يشرفني أن ألعب دور الأمير أبو عنان المريني لكي أعطيه روحاً، كما أعطت نوستالجيا لشالة الروح.”
ومن الشعراء الذين كتبوا أسماءهم بحروف من ذهب في الدراما المغربية، سناء التازي، التي بصمت ذاكرتنا بدورها في مسلسل “رمانة وبرطال”، تعود لتبدع مجددًا في أجواء تاريخية ساحرة، وتقول:
“فخورة بمشاركتي في هذا العمل الفني المميز بمدينة الرباط وسط أجواء تاريخية ساحرة بموقع شالة.
تجربة استثنائية مع طاقم مبدع ومحترف، تحت قيادة المايسترو والمخرج الكبير أمين ناسور الذي لا يبخل علينا برؤيته الفنية وحرصه الكبير على أدق التفاصيل. أقوم بدور شاعرة في عصر المرينيين.
كل الشكر لكل أفراد الفريق، الطاقم الفني والتقني، الذين يسهرون على هذه التحفة الفنية ويبدعون في كل لحظة ليخرج هذا العمل في أبهى صوره.”
أما الأمل القادم من جيل الشباب، خولة الشليح، التي أحبها الجمهور في مسرحية “الحراز”، فقد حملت بين كلماتها تقديرًا عميقًا للتجربة:
“كانت تجربة استفدت منها كثيرًا، سواء على المستوى الفني أو الإنساني. ما أعطاها طابعًا خاصًا هو اللقاء بين جيلين: جيل روّاد المسرح المغربي والجيل الجديد من الفنانين الشباب، ما منحني فرصة ثمينة للتعلّم والاحتكاك بتجارب مختلفة.”
وأضافت:
“جسّدت في هذا العمل دور وصيفة أم السلطان، وهي شخصية كانت تترقب بفارغ الصبر قدوم لسان الدين بن الخطيب، ليُطربنا بأجمل الأشعار والألحان، بمشاركة نخبة من المغنين والشعراء داخل دار النزاهة.”
وبالطابع الكوميدي الذي يخلق التوازن في العمل، يطل علينا عثمان اليحياوين، الذي خطف قلوب محبي المسرح في “الحراز”، عبر شخصية “المنادي الماريني”، حيث قال:
“أجسد شخصية ‘المنادي الماريني’، وهي شخصية فكاهية نشيطة، تُضفي طابعًا كوميديًا على العمل. يحمل هذا المنادي في جعبته أخبارًا سارة، يُبشّر من خلالها بقدوم ‘شمس الضحى’، زوجة أبي الحسن المريني.
يتجول في أزقة الدوار وهو ينادي بصوته المميز: ‘شمس الضحى رجعات!’، ليُعلم الكبير والصغير بخبر رجوعها، وينشر البهجة في كل أرجاء المكان.”
وفي ختام هذه الرحلة المسرحية عبر الزمن، تطل علينا الفنانة مريم الركاكنة، خريجة الفوج 26 والحاصلة على دكتوراه في الإخراج المسرحي النسائي، لتقود الجمهور في دور “الراوية شمس”:
“أجسد شخصية ‘الراوية شمس’، وهي شخصية محورية تستقبل الزوار القادمين لاكتشاف الحضارة المرينية، وترافقهم في رحلة عبر التاريخ، تبدأ من المقبرة المرينية، حيث تكشف لهم ملامح هذه الحقبة الغنية، وتحدثهم عن السلطان أبو الحسن المريني الذي حكم بين سنتي 1331 و1351 ميلادية.”
وتابعت:
“من خلال شخصية الراوية، نحاول خلق تفاعل حي مع الجمهور، ومرافقتهم في رحلة بصرية ووجدانية عبر الزمن، تبدأ من لحظة استقبالهم، وصولًا إلى بوابة القصر المريني، حيث يتعرفون على لالة شمس الضحى، والسلطان أبو الحسن، وولي عهده الأمير أبو عنان.
العمل يُسلّط الضوء أيضًا على اللحظة الحاسمة التي يدفع فيها أبو الحسن بابنه أبو عنان إلى خوض مغامرة الحرب، بكل ما تحمله من تحديات وتعقيدات سياسية وتاريخية، في حبكة مسرحية تمزج بين التوثيق والتجريب الفني.”
هكذا يثبت عرض “نوستالجيا” في نسخته الثالثة أنه أكثر من مجرد عرض مسرحي، بل هو مشروع ثقافي يجمع الإبداع بالتاريخ، ويوحد الأجيال في فضاء واحد، حيث تنطق الحجارة وتُروى الحكايات بألسنة فنانين أعادوا الحياة لروح شالة.














