في كتابهــا «آباء لطفل مختلف»، تقدم الدكتورة فاطمة لمريني الوهابي عملاً إنسانياً عميقاً يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع، وهي تجربة الأسر التي تجد نفسها أمام واقع طفل في وضعية إعاقة. ومن خلال لغة بسيطة لكنها مؤثرة، تنجح الكاتبة في نقل القارئ إلى العالم النفسي والاجتماعي الذي يعيشه الآباء منذ اللحظة الأولى لاكتشاف اختلاف طفلهم عن باقي الأطفال.
الكتاب لا يتعامل مع الإعاقة باعتبارها حالة طبية فقط، بل كتحول جذري يطال حياة الأسرة بأكملها. فالصدمة الأولى، كما توضح الكاتبة، لا ترتبط فقط بالخوف على مستقبل الطفل، وإنما أيضاً بانهيار الأحلام والتصورات التي بناها الوالدان حول حياتهما العائلية. ومن هنا تبدأ رحلة طويلة من القلق والحزن والرفض أحياناً، قبل الوصول إلى مرحلة التقبل والتكيف.
وتبرز قوة الكتاب في قدرته على كشف المعاناة الصامتة التي يعيشها الآباء بعيداً عن الأضواء، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي. فالأسر، بحسب الكاتبة، لا تواجه فقط صعوبة رعاية طفل يحتاج إلى اهتمام خاص، بل تصطدم أيضاً بنظرة مجتمعية قاسية ما تزال محكومة بالأحكام المسبقة والشفقة والتهميش. ولهذا يتحول النص إلى صرخة إنسانية تدعو إلى بناء مجتمع أكثر تفهماً وإنصافاً للأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم.
ورغم الطابع المؤلم لبعض المقاطع، فإن الكتاب يحمل في عمقه رسالة أمل واضحة، إذ تؤكد الكاتبة أن الحب والصبر والإرادة قادرة على تحويل المعاناة إلى قوة، وأن الطفل المختلف ليس عبئاً كما يتصور البعض، بل إنسان يمتلك الحق الكامل في الكرامة والاندماج وتحقيق الذات.
ويعكس العمل أيضاً الخلفية الحقوقية والإنسانية للمؤلفة، التي راكمت تجربة طويلة في الدفاع عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وهو ما منح النص صدقية خاصة وجعل منه أكثر من مجرد كتاب؛ بل شهادة إنسانية ودعوة صريحة إلى تغيير نظرتنا تجاه الاختلاف.
بهذا المعنى، يشكل «آباء لطفل مختلف» عملاً توعوياً بقدر ما هو نص أدبي وإنساني، يفتح النقاش حول مسؤولية المجتمع والدولة والأسرة في حماية كرامة الأطفال المختلفين، ويؤكد أن الإنسانية الحقيقية تبدأ من القدرة على احتضان الاختلاف لا الخوف منه.















