في مقال سابق، تناولنا مسلسل الشرقي والغربي من زاوية صراعه الأيديولوجي بين الاشتراكية والرأسمالية، حيث تحوّل المال من أداة للرفاه إلى سلاح لتكريس الهيمنة.
لكن النهاية التي آلت إليها الأحداث تفرض قراءة أعمق: السجن للجميع، والموت لمن لم يكن يملك حتى ترف المحاكمة. فهل كانت هذه النهاية تجسيدًا لمبدأ العدالة، أم أنها كشفت عن انهيار كامل لكل الأوهام التي بناها النظامان؟
تكشف النهاية المأساوية لمسلسل الشرقي والغربي عن وهم العدالة الذي ظل يحكم علاقة السلطة بالمال، حيث لم ينجُ أي طرف من دائرة العقاب.
لكن المثير في هذه الحبكة أن سقوط العائلتين لم يكن نتيجة صراع مباشر بينهما، بل بسبب تورطهما في لعبة المصالح المشتركة.
فمن كان في موقع الانهيار الاقتصادي، مثل عائلة الغربي، وجد نفسه مضطرًا للتواطؤ مع من كانوا في ذروة نفوذهم المالي، مثل عائلة الشرقي، ليشكلا معًا بنية متكاملة من الفساد المتبادل.
إن دخول الجميع إلى السجن، بمن فيهم العميد السابق مصطفى، يكشف أن السلطة نفسها لم تكن محصنة ضد الانزلاق إلى وحل الفساد،
خاصة حين يتعارض الواجب القانوني مع الروابط العائلية. وهنا، لا يبدو أن السجن كان عقوبة عادلة، بل هو نتيجة حتمية لسقوط جميع المبادئ التي حاولت الشخصيات التشبث بها.
أما الموت، فقد كان مصير أولئك الذين لم يجدوا مكانًا في هذا النظام المختل، مثل المهدي الغربي، الذي كان عنصر الإزعاج، وأحمد الشرقي، الذي كان صوت الحكمة والتوازن.
لكن المشهد الأكثر مأساوية، والذي يحمل دلالات رمزية عميقة، هو موت يعقوب الشرقي على يد والدته خدوج، وإن كان ذلك عن غير قصد.
في هذا الحدث، تتجلى ذروة انهيار المنظومة الأخلاقية والاجتماعية، حيث تتحول الأم – رمز الحماية والحنان – إلى أداة موت، مدفوعة برغبتها في الحفاظ على إرثها الأيديولوجي. خدوج، التي كانت تعتبر عبلة سببًا في تدمير إمبراطورية عائلة الشرقي، رأت فيها العدو الذي شتت شمل العائلة وأدى إلى تآكل قوتها. فباعتقادها أن القضاء على عبلة سيعيد الأمور إلى نصابها ويحمي إرث العائلة الاشتراكي من التداخل مع الرأسمالية،
لم تدرك أن العنف الذي مارسته سيرتد عليها بطريقة مأساوية، ليكون ابنها هو الضحية.
إن موت يعقوب بهذه الطريقة ليس مجرد نهاية درامية، بل هو بيان سياسي حاد: عندما يتحول الصراع الإيديولوجي إلى تعصب أعمى، فإنه لا يقتل الخصوم فحسب، بل يلتهم حتى أبناءه.
في لحظة واحدة، تهاوت كل القيم التي دافعت عنها العائلتان، لتتساوى الاشتراكية والرأسمالية في ساحة العبث، حيث لا يبقى سوى الخراب.
غير أن الأمل، رغم خفوته، لم يُمحَ تمامًا من معادلة المسلسل، بل تجسد في ولادة يعقوب الصغير، الابن الذي يحمل اسم العائلتين، الشرقي والغربي معًا. هذا الطفل لم يكن مجرد امتداد بيولوجي لوالديه،
بل هو رمز لاحتمالية تجاوز الصراعات العقيمة التي قادت الأجيال السابقة إلى الهلاك. بيد أن هذا الأمل لم يُقدَّم بوصفه خلاصًا سهلًا،
بل كان مشروطًا بفعل واعٍ: تعليم الطفل كيف “يصلح الأرض ويزرع السلام”، في إشارة واضحة إلى أن تجاوز الماضي يحتاج إلى إرادة حقيقية لبناء نموذج جديد لا يكرر أخطاء سابقيه.
لكن السؤال الذي يظل مفتوحًا هو: هل يمكن ليعقوب الصغير أن يكسر الحلقة المفرغة التي دار فيها الجميع؟
أم أن حمله لإرث العائلتين سيظل قيدًا يجعله، هو الآخر، أسيرًا لصراعات الماضي؟ هذه النهاية، رغم أنها تترك بصيصًا من الأمل، تظل محاطة بشك عميق حول إمكانية ولادة عدالة حقيقية في عالم لا يزال محكومًا بمنطق الهيمنة والمصالح.
الشرقي والغربي يُقدِّم تجربة درامية جريئة، نادرة في التلفزيون المغربي، تجرؤ على تفكيك منظومات السلطة والمال والأيديولوجيا دون شعارات مباشرة أو خطابية مكررة.
إنه ليس مجرد مسلسل آخر عن صراعات العائلات والنفوذ، بل هو مرآة تعكس مأزق مجتمع يجد نفسه عالقًا بين أوهام العدالة وسلطة الأمر الواقع.
من الجميل أن نرى هذا المستوى من الاجتهاد في الدراما المغربية، عملٌ كهذا يؤكد أن لدينا كتّابًا يملكون القدرة على تمرير رسائل سياسية عميقة دون أن تُرفض أعمالهم أو تُقبر في الأدراج.
لقد استطاعت نورة الصقلي وأصدقاؤها، بعد تجارب طويلة ومُرهقة، أن يقدّموا عملاً يضع السياسة في قلب الدراما، لا كخلفية سطحية بل كمحرّك للأحداث والصراعات، بأسلوب يُراوغ المباشرة ويخترق المسكوت عنه دون استفزاز فجّ. ومع ذلك،
لم يأخذ الشرقي والغربي حقه، لا في وسائل الإعلام ولا حتى في برمجة القناة الثانية، التي فضّلت مسلسل الدم المشروك عليه، رغم افتقاره إلى أبسط مقومات الحبكة الدرامية.
ما نبحث عنه في الدراما ليس مجرد محتوى توعوي أو تحسيسي، بل أعمال تحفّز الفكر، تطرح التساؤلات، وتُعيد صياغة القضايا الوجودية التي تشغل العالم، دون أن تسقط في فخ المباشرة أو الاستقطاب الأيديولوجي.
الدراما الحقيقية ليست تلك التي تُقدّم أجوبة جاهزة، بل تلك التي تدفعنا للتساؤل: هل نعيش في واقع محكوم بخياراتنا، أم أننا مجرد أدوات في معادلة أكبر، لا ندرك من قواعدها إلا ما يُسمح لنا برؤيته؟















