تشكل عملية تحويل الوكالات الحضرية إلى وكالات جهوية أحد أبرز الأوراش المؤسساتية التي أطلقتها الدولة في إطار تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، باعتبارها خطوة تروم تحديث منظومة التعمير، و تجويد الخدمات المقدمة للمواطنين، و تعزيز الحكامة و النجاعة الإدارية بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها الإدارة العمومية.
غير أن نجاح أي إصلاح مؤسساتي لا يقاس فقط بالنصوص القانونية المنظمة له، و إنما أيضا بطريقة تدبير المرحلة الانتقالية، باعتبارها المرحلة الأكثر حساسية في تحديد مستقبل المؤسسة و هويتها الإدارية.
و في هذا السياق، يثار عدد من التساؤلات المشروعة بشأن الكيفية التي يتم بها تدبير هذه المرحلة داخل بعض الوكالات الحضرية، و من بينها الوكالة الحضرية بالرشيدية، خاصة في ظل ما يتم تداوله داخل الأوساط المهنية و الإدارية حول إمكانية اتخاذ قرارات تتعلق بتدبير الموارد البشرية أو إسناد بعض المسؤوليات قبل استكمال ورش إعادة الهيكلة المؤسساتية.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
**هل من مصلحة الإصلاح اتخاذ قرارات قد ترتب آثارا دائمة داخل مؤسسة توجد أصلا في مرحلة انتقالية ستعرف إعادة تنظيم شاملة؟**
إن المرحلة الانتقالية تقتضي، منطقيا و إداريا، اعتماد أعلى درجات التحفظ في اتخاذ القرارات التي قد تؤثر على الهيكلة المستقبلية للمؤسسة، حتى لا تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لفرض واقع إداري جديد قد لا ينسجم مع فلسفة الإصلاح الذي جاءت به الوكالات الجهوية.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في أي شخص أو في كفاءة أي إطار إداري، وإنما يتعلق بترسيخ مبدأ مؤسساتي بسيط مفاده أن **الانتقال المؤسساتي الناجح يقتضي ضمان تكافؤ الفرص و ربط المسؤولية بالكفاءة و الاستحقاق و الاحتياجات الحقيقية للمؤسسة، بعيدا عن أي اعتبارات قد تثير الجدل أو تؤثر على الثقة في الإصلاح.**
و تزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى أن عددا من الوكالات الحضرية عرفت خلال السنوات الماضية تحديات مرتبطة بالحكامة و تدبير الموارد البشرية و فعالية الأداء الإداري، و هو ما يجعل من الإصلاح الحالي فرصة لإعادة بناء الثقة داخل هذه المؤسسات، و ليس مناسبة لإعادة إنتاج الممارسات التي كانت محل انتقاد.
كما أن الإدارة الحديثة تقوم على مبدأ أساسي، و هو أن **القرارات الإدارية، و خاصة تلك المتعلقة بالمسؤوليات، ينبغي أن تخضع لمعايير موضوعية واضحة، و أن تكون مرتبطة بحاجيات المؤسسة في صيغتها الجديدة، لا في وضعها الانتقالي.**
ومن هذا المنطلق، فإن أي تعيين أو تكليف أو إعادة توزيع للمسؤوليات خلال هذه المرحلة ينبغي أن يكون مؤطرا بأقصى درجات الشفافية، و أن يكون قابلا لتبرير موضوعي أمام الموظفين و الرأي العام، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى مصدر جديد للتوتر الإداري بدل أن تكون محطة للإصلاح.
و لا شك أن وزارة إعداد التراب الوطني و التعمير و الإسكان وسياسة المدينة، باعتبارها الجهة الوصية، تتحمل مسؤولية كبيرة في مواكبة هذا الورش، بما يضمن احترام القانون، و صيانة مبادئ الحكامة الجيدة، و ترسيخ ثقافة الاستحقاق و ربط المسؤولية بالكفاءة، انسجاما مع التوجيهات الملكية و الدستور، و مع مبادئ الإصلاح الإداري التي تقوم على الشفافية و المساءلة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في إحداث وكالات جهوية جديدة، بل في بناء مؤسسات قوية تحظى بثقة موظفيها و مرتفقيها، و تكون قادرة على مواكبة الدينامية التنموية التي تعرفها مختلف جهات المملكة.
و لذلك، فإن نجاح المرحلة الانتقالية بالوكالة الحضرية بالرشيدية، كما هو الشأن بالنسبة لباقي الوكالات، رهين بمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة، و الحياد الإداري، و الشفافية، و تكافؤ الفرص، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.
و في النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
**هل ستكون المرحلة الانتقالية فرصة حقيقية لإرساء نموذج جديد في التدبير الإداري، أم أنها ستفوت على المؤسسة فرصة تاريخية لتجديد نفسها و بناء إدارة حديثة قائمة على الكفاءة و الاستحقاق؟**
إن الجواب عن هذا السؤال لن تصنعه التصريحات، بل ستحدده القرارات التي ستتخذ خلال هذه المرحلة، لأنها ستكون المؤشر الحقيقي على مدى جدية الإصلاح، و مدى قدرة الإدارة على القطع مع اختلالات الماضي و التأسيس لمستقبل أكثر شفافية و فعالية.
–















