مع حلول فصل الصيف من كل سنة، يتجدد النقاش حول العطلة والسفر، خصوصا في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الفنادق والمطاعم وشقق الكراء اليومي.
وبينما تشتكي الأسر من ارتفاع تكاليف العطلة، تظل المدن السياحية والشواطئ تعرف إقبالا كبيرا ولافتا، وهو ما يطرح سؤالا حول الأسباب التي تدفع العائلات إلى تحمل مصاريف قد تتجاوز قدرتها المالية من أجل قضاء أيام قليلة من الراحة والاستجمام.
ولفهم هذا التناقض بين الشكوى من الغلاء والاستمرار في السفر، قدم الأستاذ والباحث في علم الاجتماع عمر بنعياش، تصريح لـ” لوبوكلاج”، فيه قراءة للخلفيات الاجتماعية التي تقف وراء هذا السلوك، موضحا أن العطلة الصيفية لم تعد تؤدى بالطريقة نفسها التي كانت عليها في الماضي.
حين تغير معنى العطلة
لم تكن العطلة بحسب الباحث، دائما مجرد فترة للتوقف عن العمل أو للاستراحة. ففي المجتمع المغربي، ارتبطت إلى وقت قريب بموسم الحصاد ونضج الثمار، وبالاحتفال بما حققته الأسر الفلاحية بعد سنة من العمل في الحقول.
وكان السفر من المدن إلى القرى خلال الصيف جزءا من هذا الطقس الجماعي، إذ يجتمع أفراد الأسر للاحتفال بموسم الجني والحصاد. غير أن هذا الارتباط بدأ يتراجع مع تغير أنماط العيش، واستقرار الأسر في المدن، وتطور العمل المأجور وتنظيم الحياة الاقتصادية.
ومع انتقال المجتمع من نمط زراعي إلى مجتمع مديني حديث، تحولت العطلة تدريجيا من نشاط جماعي مرتبط بالإنتاج الزراعي إلى فترة مرتبطة بتنظيم العمل والدراسة والحاجة إلى الراحة. ويشيرالأستاذ بنعياش، في هذا السياق، إلى أن العطلة المنظمة ارتبطت تاريخيا بتطور العمل الصناعي وتنظيم فترات العمل والراحة.
وهكذا، لم يعد السفر خلال الصيف بالضرورة عودة إلى الأصول والبادية، بل أصبح بالنسبة إلى عدد من الأسر توجها نحو الشواطئ والمنتجعات والفنادق.
من الراحة إلى صناعة الاستجمام
لم تعد العطلة، وفق الباحث، مرتبطة فقط بالحاجة إلى التوقف عن العمل، بل أصبحت جزءا من منظومة واسعة تقدم فيها الفنادق والمنتجعات ومؤسسات السفر ومخيمات الأطفال والشباب عروضاً مختلفة لقضاء العطلة. وبذلك، أصبح السفر نفسه مرتبطا بالاستهلاك.
غير أن هذا التحول لا يمنح جميع الأسر القدرة نفسها على الاستفادة من العطلة. فبين من يستطيع السفر وقضاء عطلته في ظروف مريحة، ومن يضطر إلى تقليص نفقاته أو الاكتفاء بالسفر إلى مسقط الرأس، توجد فئات أخرى لا تستطيع السفر، فتقضي عطلتها في بيتها أو حيها أو مدينتها.
عطلة قد تتحول إلى تعب
ولا تعني العطلة بالضرورة الراحة نفسها لجميع أفراد الأسرة. فبالنسبة إلى بعض الآباء، وخاصة الأمهات، قد يتحول السفر إلى عبء إضافي، خصوصا عندما تستمر المسؤوليات اليومية نفسها خلال فترة العطلة.
إعداد الطعام، وأشغال التنظيف، والاستجابة لرغبات الأطفال في اللعب والسباحة والتجول، كلها مهام قد تجعل السفر بعيدا عن أن يكون فترة للتحلل من المسؤوليات الأسرية.
ويشير الباحث إلى أن بعض الأمهات قد يحتجن إلى عدة أيام للراحة بعد انتهاء العطلة، بعدما تحولت فترة السفر نفسها إلى امتداد لأعباء الحياة اليومية.
حين تصطدم الرغبة في السفر بالقدرة المالية
وفي ظل ارتفاع تكاليف السفر، تجد بعض الأسر نفسها أمام فجوة بين الرغبة في قضاء عطلة خارج مكان الإقامة والإمكانات المالية المتاحة.
حيث، يضع الأستاذ بنعياش شكاوى الأسر من العجز عن “السفر وقضاء العطلة كباقي الناس” ضمن ما يسميه في علم الاجتماع
بـ “التفاوض”، أي محاولة الأفراد تحقيق رغباتهم وحاجاتهم في ظل إمكانيات محدودة.
لكن هذا التفاوض قد يأخذ، بحسب الباحث، شكل التباهي الاجتماعي، عندما تتحول العطلة إلى وسيلة للتعبير عن مكانة اجتماعية حقيقية أو متوهمة، خصوصا عندما تتجاوز تكاليفها الإمكانيات الواقعية للأسرة.
إلى جانب الضغط الاجتماعي، يبرز عامل آخر يتمثل في ضغط الأطفال على الآباء، خصوصا خلال العطلة الصيفية.
فعدم قدرة الآباء على إبقاء أبنائهم داخل البيت طوال الوقت يولد حاجة إلى الاستجابة لرغباتهم في السفر واللعب والسباحة والتجول، حتى في ظل ضيق الإمكانيات.
وفي بعض الحالات، يتم السفر في ظروف تقشفية، لكنه يتحول رغم ذلك إلى مسؤوليات ونفقات إضافية قد تتجاوز ما هو ممكن ومتاح للأسرة.
مواقع التواصل الاجتماعي وتضخيم مظاهر الرفاه
بهذا الشق، يرى الأستاذ بنعياش أن الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي يساهمان في “تضخيم” ظاهرة السفر والعطلة، من خلال تقديم صور متكررة عن السعادة والترف والتنقل.
فصور المطارات والطائرات والزوارق والمدن العالمية البعيدة تجعل السفر حاضرا باستمرار أمام المستخدمين، وتساهم في خلق رغبة لدى آخرين في خوض التجربة نفسها.
وبحسب الباحث، تحاول بعض الفئات المتوسطة والضعيفة الظهور بمظهر لا تعكسه دائما إمكانياتها الحقيقية، فتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى وسيلة لـ”التعويض عن الحاجة بالادعاء”.
وهكذا، تنتقل العطلة من كونها نشاطاً ترفيهيا اختياريا إلى ما يصفه الباحث بـ «التزام وسلوك مظهري”، لا يقتصر تأثيره على من ينشر الصور، بل قد يدفع آخرين إلى اتباع السلوك نفسه.
الاقتراض «مصيدة» لسعادة مؤقتة
وبخصوص الحلول التي تلجأ إليها بعض الأسر لمواجهة غلاء الأسعار، يوضح الأستاذ عمر بنعياش أن تحديد آليات التكيف والبدائل يتطلب دراسة نظرية وميدانية بأهداف محددة.
غير أنه يحذر من الاقتراض البنكي لتمويل مثل هذه النفقات، ويصفه بأنه “مصيدة” أكثر من كونه حلا، لأنه يوفر استهلاكا عابرا وسعادة مؤقتة، بينما تتحمل الأسرة تبعاته على امتداد شهور طويلة.
ويزداد الأمر تعقيدا عندما يصبح الاقتراض وسيلة متكررة لتغطية مناسبات مختلفة، من شراء أضحية العيد والحج والعمرة، إلى الدخول المدرسي وحفلات العقيقة والزفاف وغيرها من المناسبات الاجتماعية.
بدائل تضامنية ما تزال محدودة
لمواجهة هذه الضغوط، يعبر الباحث عن أمله في ظهور أشكال تضامنية جديدة في إطار الاقتصاد التضامني، معتبرا أن هذا المجال موجود في المغرب، لكنه ما يزال محدودا.
ويشير إلى بعض الأنشطة السياحية القروية والرياضية والترفيهية التي تستفيد من خصوصيات البيئة المحلية، غير أن الجانب الربحي يظل، بحسبه، أكثر حضورا من الجانب التضامني.
وبين الرغبة في الراحة وارتفاع كلفة السفر، تكشف العطلة الصيفية عن تحول أوسع في طريقة تعامل الأسر المغربية مع السفر والاستجمام.















