حين تضرب الكوارث الدول، لا تُختبر فقط صلابة البنيات التحتية، بل يُختبر قبل ذلك معدن المؤسسات، وقدرتها على التحول من منطق التدبير اليومي إلى منطق الإنقاذ وحماية الأرواح.
وفي المغرب، أبانت الأجهزة الأمنية والعسكرية، في أكثر من محطة مفصلية، أن دورها لا يقتصر على حفظ النظام، بل يمتد ليشمل أسمى وظائف الدولة: صون الحياة والكرامة الإنسانية.
من زلزال الحسيمة إلى زلزال الحوز، مرورًا بجائحة كورونا، وصولًا إلى فيضانات الشمال، خاصة بمدينة القصر الكبير التي تم إخلاؤها بالكامل، يتكرر مشهد واحد: رجال ونساء أمنيون وعسكريون و دركيون و قوات مساعدة في قلب العاصفة، ينقلون المحاصَرين، يُجلون السكان من مناطق الخطر، يؤمّنون الأحياء والمنازل، ويعيدون الحد الأدنى من الاستقرار وسط مشاهد الفوضى والهلع.
هنا، تتحول البدلة الرسمية من رمز للسلطة إلى رسالة إنسانية واضحة. فالمهنية العالية التي تُدار بها عمليات الإنقاذ لا تنفصل عن حس إنساني عميق، يتجلى في السهر على سلامة المتضررين، وتوفير شروط الإيواء اللائق، ونصب الخيام، وتشييد المستشفيات المتنقلة في زمن قياسي، بما يؤكد أن الأمن، حين يُمارَس في سياقه الصحيح، يصبح طمأنينة قبل أن يكون إجراءً.
إن ما يشهده القصر الكبير ومناطق أخرى من الغرب اليوم ليس مجرد تدخل ظرفي فرضته السيول، بل نتيجة تراكم خبرة ميدانية وتنسيق محكم بين مختلف الأجهزة، ما سمح بتقليص الخسائر البشرية، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
غير أن هذا النجاح لا ينبغي أن يُخفي الحاجة الملحّة إلى مراجعة سياسات الاستباق والوقاية، وتدبير المخاطر، حتى لا تظل الدولة قوية فقط في لحظة التدخل، وضعيفة في لحظة التوقع.
ومع ذلك، تبقى هذه اللحظات العصيبة كاشفة لجوهر الدولة حين تُختبر: دولة تحضر عبر أجهزتها الأمنية لا كسلطة فوق المجتمع، بل كجزء منه، تشاركه الخطر وتتحمل عبء المواجهة.
ففي زمن الكوارث، لا يُقاس الأمن بعدد الحواجز ولا بصرامة التعليمات، بل بقدرته على إنقاذ الأرواح، وطمأنة القلوب، وتجسيد المعنى الحقيقي للخدمة العمومية.















