لا يزال في ذاكرتي ذلك اليوم القريب من شهر فبراير 2025، حين وقفت أمام طلبتي في إحدى قاعات الدروس بمعهد الصحافة، ونظرت إليهم نظرة المتأمل الذي يقرأ ما وراء السطور، ويشمّ رائحة المستقبل من المطبخ الداخلي للوقائع. وقلت لهم، بصوت الواثق: إنّ الحرب العالمية الثالثة، إنْ قُدِّر لها أن تكون، فلن تنطلق من أوكرانيا، رغم شراسة المعارك، ولا من تايوان، رغم عدم توقّف الاستفزازات، بل ربما تشتعل شرارتها من فلسطين المحتلة، تلك القطعة الصغيرة التي اختزلت صراع التاريخ، وجمعت بين السماء والأرض، بين النبوءة والخيانة، بين العدل والغطرسة، وبين قلوب ملايين المؤمنين التي تهفو إليها من كل أصقاع الأرض.

وهنا قد يتساءل القراء: ولِمَ فلسطين المحتلة بالذات؟
سأجيب، مطمئنًا العقل والوجدان معًا، بخمسة أسباب وجيهة، يشتبك فيها صراع الحضارات بسفسطة الجهالات، وتتداخل فيها المصالح بالمصائر:
1. السبب العقائدي
فلسطين ليست قطعة أرض كغيرها، بل وعدٌ إلهي عند البعض، وأمانة سماوية عند آخرين. فيها تتقاطع الرسالات، وتتصارع التأويلات، ويتكلّم الحجر والشجر كما في الأحاديث. إنّها مهد الإيمان ومسرى الأنبياء، وأرض المحشر والمنشر. ومن أجلها سُفكت الدماء، وامتلأت كتب التوراة والإنجيل والقرآن بالنصوص المؤوّلة والمؤجّجة والحَمّالة للدلالات.
وهنا يكمن الخطر: حين تصبح الجغرافيا قضية خلاص، وحين يُختزل الخلاص في الإبادة، فإنّ الحرب لا تكون سياسية، بل مقدسة، لا تعرف التفاوض، ولا ترضى بالتسويات. وكلّما ازداد تشنج الخطاب الديني المتطرّف، من جانب أكثر من الآخر، كلّما اقتربت ساعة الصفر.
2. السبب العسكري
منذ نكبة 1948، لم تعرف فلسطين هدنة حقيقية. وكل حرب هناك كانت نسخة مصغّرة لصراع عالمي مؤجّل. إسرائيل لم تعد تلك الدولة الصغيرة الخائفة، بل باتت قوة نووية، محاطة بجبهات متوتّرة، من لبنان إلى سوريا، ومن إيران إلى غزة. وفي كل ركن سلاح، وفي كل بيت مقاومة، وفي كل قلب غضب.
والأخطر من ذلك، أنّ أيّ شرارة هناك بدأت تستدرج القوى الإقليمية والدولية الكبرى: إيران، أمريكا، وربما لاحقًا تركيا، وروسيا، والصين… من يدري؟! فالكلّ ينتظر لحظة التدخّل ليحسم معركة مؤجّلة في ساحة ثالثة.
3. السبب السياسي
الصراع في فلسطين ليس فقط بين محتلّ ومقاوم، بل هو امتداد لصراع على زعامة العالم الجديد. إسرائيل، في العقد الثامن من عمرها، تدخل مرحلة الانحدار التاريخي كما دخلتها إمبراطوريات قبلها. ولعنة العقد الثامن، التي تحدّث عنها المؤرخون، تلاحقها كظلٍّ ثقيل: انقسامات داخلية، تصدّع في المجتمع، وتآكل الثقة بالمؤسسات. ومن جهة أخرى، تصعد قوى جديدة ترفض الهيمنة الغربية، وتضع فلسطين كرمزٍ لمواجهة العلوّ في الأرض. لقد عادت فلسطين إلى مركز الخطاب السياسي العالمي، لا كقضية تضامن، بل كاختبار للعدالة الدولية، ومرآة للمعايير المزدوجة.
4. السبب الاقتصادي
الشرق الأوسط ليس فقط مستودعًا للبترول، بل عقدة مواصلات التجارة العالمية. وأيّ حرب شاملة في فلسطين ستهدّد قناة السويس، ومضيق هرمز، وخطوط الغاز. وكل هذا يعني شللًا في الاقتصاد العالمي، وارتفاعًا جنونيًا في أسعار الطاقة، وانهيارات مالية تضرب عواصم القرار. ولعلّ من يتحكّم في مفاتيح القدس، قد يتحكّم في مفاتيح الاقتصاد العالمي، أو على الأقل، يفكّك رموزه.
5. السبب الحضاري
فلسطين اليوم لم تعد فقط قضية العرب، بل أصبحت مرآة لضمير العالم. فالصور القادمة من غزة ليست فقط دمارًا، بل صفعة على وجه الحداثة التي تدّعي الإنسانية، وهي تصمت أمام المجازر. وهكذا فإنّ صراع الخير والشر لم يعد خياليًا، بل محسوسًا. والشعوب، وإن تمّ تدجينها، بدأت تستيقظ، وتتحسّس طريقها نحو الحقيقة. لقد صارت فلسطين مقياسًا للكرامة، ومكانًا يتكثّف فيه التاريخ، ويتجمّع فيه الغضب، ويتحوّل فيه المظلوم إلى رسول قضية، لا إلى ضحية صامتة.
في الختام، ربما يضحك البعض من هذا التخمين، كما ضحكوا من قبل حين حذّر جهابذة المفكرين من انهيارات اقتصادية أو صعود تيارات متطرّفة. لكنّ التاريخ لا يسير بمنطق الضحك، بل بالتراكم والانفجار. وفلسطين ليست صدفة جغرافية، بل نبوءة مفتوحة، وصفحة لم تُطوَ بعد، وجرحًا ينزف في قلب البشرية.
وفي النهاية دعونا نتوسّل إلى الحيّ القيوم بالدعاء والرجاء :
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الحَقُّ، وَكَلِمَتُكَ هِيَ العُلْيَا،
فَارْفَعْ رَايَةَ الْمَظْلُومِ، وَاهْزِمْ بِهَا الطُّغْيَان،
وَبَدِّلْ ظُلْمَ هٰذَا العَصْرِ يَقَظَةً،
وَسُبَاتَهُ نَهْضَةً،
وَمُجُونَهُ حِكْمَةً.
آمِين يَا رَبَّ العَالَمِين.















