يقف المنتخب المغربي اليوم على مشارف لحظة تاريخية لطالما استعصت على أجيال متعاقبة. أمام السنغال في المشهد الختامي، لا يواجه الأسود مجرد خصم فوق الميدان، بل يواجهون إرثا ثقيلا من الخيبات التي جثمت على صدور المغاربة لنحو نصف قرن. هي الخطوة الأخيرة في رحلة البحث عن الذات، حيث تفصلنا 90 دقيقة فقط عن كتابة نهاية سعيدة لقصة توقف حبرها منذ ملحمة 1976 بإثيوبيا، ومنذ ذلك الحين، والمغرب يطارد سراب الكأس القارية في صحراء الانتظار.
لقد كانت “الكان” دوما هي الغصة في حلق الكرة المغربية،نستحضر نهائي 2004 في رادس، حين ضاع الحلم في اللحظات الأخيرة أمام تونس رغم أننا كنا الأفضل. و جرح عام 1988 حين استضفنا البطولة وخرجنا من نصف النهائي أمام الكاميرون في ليلة ما زالت عالقة في أذهان جيل الثمانينات.
لا يمكن نسيان “عقدة” الدور الأول التي لازمتنا لسنوات طويلة (2000، 2002، 2006، 2008، 2012، 2013)، حيث كنا نخرج بمرارة رغم توفر النجوم. ولا يغيب عن البال هدف “كهربا” القاتل في 2017 الذي أوقف طموح جيل واعد، وصولا إلى الصدمة الأكبر في 2019 بركلات الترجيح أمام البنين، ثم الإقصاء أمام مصر في دورة 2021 بعدما كنا قريبين من المربع الذهبي. كل هذه المحطات خلفت ندوبا في علاقة الجمهور ببطولة بدا وكأنها ترفض الابتسام لنا مهما فعلنا.
لكن هذا الجيل يدخل نهائي اليوم وهو متسلح بعقلية مختلفة تماما، عقلية انتصارية بنيت على أنقاض تلك الخيبات. نحن نتحدث عن منتخب أعاد رسم خارطة الكرة العالمية بوصوله لنصف نهائي مونديال قطر كأول بلد إفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز، وعزز سطوته القارية والاقليمية بالتتويج بكأس العرب 2025 بامتياز تقني وذهني باهر.
هذا النجاح ليس معزولا، بل هو ثمرة نهضة شملت كل الفئات السنية؛ فالمغرب الذي توج بكأس العالم لأقل من 20 سنة، والذي تسيطر أنديته وفئاته الصغرى (أقل من 17 و23 سنة) على منصات التتويج القارية، يبرهن اليوم على أن “النموذج المغربي” بات مرجعا عالميا. لقد تحولنا من منتخب يكتفي بالأداء الجميل إلى منظومة متكاملة تتقن لغة الألقاب وتحويل الضغط إلى وقود للانتصار.
بالنسبة للشعب المغربي، هذه المباراة هي موعد مع العدالة الكروية. هي اللحظة التي يجب أن يتوج فيها هذا المسار الاستثنائي بذهب القارة. في كل بيت مغربي، هناك إدراك بأن هذا المنتخب هو الأحق برفع الكأس، ليس فقط بسبب ما قدمه في هذه البطولة من نضج تكتيكي أمام الكاميرون ونيجيريا، بل تقديرا لسنوات من العمل والقاعدة الكروية الصلبة التي بنيت بذكاء. الجمهور الذي ساند الأسود في أحلك الظروف، يستحق اليوم أن يرى قائده يرفع الأميرة السمراء عاليا.
لقد انتهى زمن الحديث عن “اللعنة” أو “العقدة”، وبدأ زمن القبض على المجد باليد. الرسالة اليوم واضحة: “مباراة واحدة يا رفاق” لتضميد جراح الماضي، ولتأكيد أن المكان الطبيعي للمغرب هو عرش إفريقيا. إنها المباراة التي ستصالحنا مع التاريخ، وستعلن رسميا بداية عهد جديد تسود فيه الكرة المغربية القارة بمداد من الذهب واليقين.















