أصدرت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان تقريراً حقوقياً أولياً حول أوضاع النازحين داخلياً بسبب الفيضانات التي شهدتها عدد من مناطق المملكة، مسلطة الضوء على ظروف الإجلاء والإيواء ومدى احترام المعايير الدولية والالتزامات الدستورية ذات الصلة بحماية المتضررين خلال فترات الطوارئ والكوارث الطبيعية.
وأكد التقرير أن موجة الفيضانات الأخيرة دفعت السلطات العمومية إلى تنفيذ عمليات إجلاء وقائية شملت عدة مناطق من شمال وغرب المغرب، من بينها القصر الكبير والمكرن وسيدي عياش ودار الكداري والحوافات، حيث تم نقل عشرات الأسر إلى مراكز إيواء مؤقتة ومخيمات احترازية في انتظار تراجع منسوب المياه وزوال الخطر. واعتبرت الرابطة أن الأشخاص الذين تم إجلاؤهم يندرجون ضمن فئة “النازحين داخلياً” وفق التعريفات المعتمدة دولياً، وهو ما يرتب التزامات قانونية واضحة على الدولة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان والدستور المغربي.
وأشار التقرير إلى أن حماية هذه الفئة تستند إلى منظومة من المواثيق الدولية، في مقدمتها المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، فضلاً عن توصيات آلية الاستعراض الدوري الشامل التي تحث على تعزيز حماية المتضررين من الكوارث الطبيعية وضمان ولوجهم إلى الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية. وعلى الصعيد الوطني، ذكّر التقرير بأن الدستور المغربي يكرس الحق في الحياة والسلامة الجسدية والتضامن الاجتماعي والولوج إلى الخدمات الأساسية خلال الأزمات.
وبحسب المعطيات الأولية التي رصدتها الرابطة، فقد عبأت السلطات العمومية إمكانيات بشرية ولوجستيكية مهمة لإنجاح عمليات الإجلاء الوقائي وتأمين نقل السكان إلى أماكن الإيواء، مع توفير مساعدات إنسانية أساسية، في إطار تنسيق شاركت فيه مختلف المصالح المدنية والعسكرية، من بينها القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية والسلطات الترابية. وسجل التقرير مؤشرات إيجابية تعكس مستوى ملحوظاً من احترام المعايير الدولية والدستورية، خاصة من حيث سرعة التدخل وتوفير الإيواء المؤقت والمساعدات الأساسية.
وفي المقابل، نبه التقرير إلى جملة من التحديات، أبرزها الانقطاع المؤقت لعدد من التلاميذ عن الدراسة في غياب حلول بديلة كافية إلى حدود المرحلة الراهنة، إضافة إلى الحاجة الملحة لتعزيز خدمات المواكبة النفسية والاجتماعية لفائدة النازحين، ولاسيما الأطفال والنساء والفئات الهشة، بالنظر إلى الآثار النفسية والاجتماعية المصاحبة لحالات النزوح القسري.
ودعت الرابطة، في ضوء هذا التقييم الأولي، إلى ضمان استمرارية المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية والاجتماعية داخل مراكز الإيواء، وإحداث آليات دقيقة وشفافة لإحصاء الأضرار وتحديد المتضررين تمهيداً لجبر الأضرار والتعويض، إلى جانب إعداد برامج استعجالية لضمان استمرارية الدراسة وتعويض الزمن المدرسي للتلاميذ المتضررين. كما شددت على ضرورة توفير الدعم النفسي والاجتماعي، وضمان أن تتم عمليات العودة إلى المناطق الأصلية في ظروف آمنة وكريمة، واعتماد برامج لإعادة التأهيل والإعمار تضمن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسر المتضررة.
وأكد التقرير أيضاً على أهمية التصدي لأي استغلال انتخابوي أو سياسي لمآسي المواطنين، وضمان حياد العمل الإنساني، مع تنظيم وتأطير المبادرات التطوعية بتنسيق مع السلطات المختصة، وإطلاق حملات تضامنية وطنية عبر وسائل الإعلام الرسمية لتعزيز التعبئة المجتمعية. كما دعا إلى تسهيل عمل المدافعين عن حقوق الإنسان عبر تمكينهم من الولوج إلى المعلومات المرتبطة بأوضاع مراكز الإيواء والاحتياجات الإنسانية، مسجلاً في الوقت ذاته الحاجة الملحة لتوفير الأعلاف والدعم البيطري للمواشي، بالنظر إلى الارتباط الوثيق لعدد كبير من الأسر المتضررة بالأنشطة الفلاحية وتربية الماشية كمصدر رئيسي للعيش.
وخلصت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان إلى أن هذا التقرير يظل تقييماً حقوقياً أولياً مرتبطاً بالمرحلة الحالية من تدبير آثار الفيضانات، في انتظار إنجاز تقييم وطني شامل بعد انتهاء الأزمة، خصوصاً فيما يتعلق بظروف العودة وإعادة الاستقرار والتعويض وجبر الأضرار، بما يضمن احتراماً دائماً للمعايير الدولية والدستورية وحماية كاملة لحقوق النازحين داخلياً.















