أحباءنا المواطنين،
نخاطبكم اليوم من حيث لا تُرفع الرايات، ولا تُوثق المحاضر، من خلف الكواليس حيث نُدير خدمتنا بتفانٍ لا يقل عن أي مرفق عمومي آخر. نحن أرباب المهنة التي لا تُدرَّس، ولا تُعترف بها،
لكن الطلب عليها لا ينقطع. لسنا سُحَرة، بل مجرد خبراء في تسويق الحاجة، وتحويل العوز العاطفي إلى منتج سريع الترويج. أنتم تبحثون عن المتعة؟ ونحن نوفرها بلُغة السوق، لا بلُغة الأخلاق.
نحن لا نُجبر أحدًا، بل فقط نُقدّم “عرضًا مغريًا” في زمن أصبح فيه العرض أكبر من الكرامة، والطلب أعلى من الأمل. نشتغل بهدوء، لا نرفع الصوت،
ولا نلجأ إلى العنف، فقط نملأ الفراغ الذي تركته سياسات التشغيل، والتعليم، والتأطير الثقافي. ما نقدمه هو نتيجة، لا سبب… والفاعل معلوم، لكنه مشغول بإلقاء اللوم.
وحين تسألون: من يحمينا؟ نبتسم بخفة من اعتاد العتمة، ونقول: القانون لا يرانا، لأنه منشغل بمن لا يعرف كيف يختبئ. نحن لا نقتحم، بل نندس.
لا نرفع لافتات، بل نُجيد رفع الستائر خلف النوافذ. ولأننا نُتقن لعبة الظهور المتخفي، لا نُقلق أحدًا في مراكز القرار، بل نُبهجهم أحيانًا، حين نخفف عنهم وطأة الأرقام وفشل السياسات.
نحن لا نطلب تمويلًا، بل نمول أنفسنا. لا ننتظر دعماً، بل نخلق اقتصادنا الخاص، مواطنونا يساهمون فيه طواعية، بل وبشغف.
لا نحتاج إلى حاضنات أعمال، نحن نحضن الشارع، ونفهم احتياجاته. وإن فكر أحدهم في محاربتنا، فقط عليه أن يسأل نفسه: من أوجدنا أولًا؟ ومن ترك الأبواب مفتوحة؟
أحباء المواطنين،
نحن لسنا طارئين على المشهد، ولا نعمل في الزوايا المظلمة عبثًا. وُجدنا لأن في القانون ثغرات، وفي الأخلاق انتقائية، وفي الحاجيات فراغ لم تملأه الدولة لا بتربية، ولا بثقافة، ولا بفرص بديلة. أنشأنا مواقع ناعمة في الواجهة، ومواقع صارخة في العمق، وبدأنا نُصنّع الوهم… على المقاس.
منصاتنا لا تبيع الجسد فقط، بل تروّج للوهم، وتبني صناعة كاملة من صور مُفلترة وأسماء مستعارة، تُخدر عقل الشاب الباحث عن وهم الرجولة، وتُسقط الفتاة الباحثة عن خلاص مادي.
ومن قلب شاشات الهواتف، جعلنا من أنفسنا وسطاء رغبة، ووكلاء نزيف اجتماعي لا يُراق دمه على الإسفلت، بل في الضمير.
وهكذا… ازدهرنا.
ولأننا نُتقن قراءة الواقع أكثر من صُنّاع القرار، عرفنا أن الفقر حين يُترك وحيدًا، يبحث عن مخرج من أي ثقب.
فجعلنا من الثقب نافذة، ومن النافذة بابًا، ومن الباب ممرًا واسعًا إلى سوق يُباع فيه كل شيء: من الوهم العاطفي إلى الاستغلال الممنهج. لم نخلق العرض، بل استجبنا للطلب، وسوّقنا له ببراعة.
في غياب رقابة فعالة، وتعليم يقي، وفرص تحفظ الكرامة، صارت منصاتنا تنوب عن الدولة في “توجيه” الشباب.
لا نستخدم العصا، بل الإعجاب، ولا نفرض شيئًا، بل نُغري. حتى أصبحنا مرجعًا في خرائط المتعة السريعة، ودليلًا عمليًا للهروب من الواقع… مقابل اشتراك شهري، أو لقاء عابر.
ونحن لا نعدُه انحرافاً، بل إعادة تدوير للبطالة، وتوظيف غير مهيكل لما يُهدره المجتمع من طاقات.
من قال إن التنمية لا يمكن أن تبدأ من شقة مفروشة، أو أن الاقتصاد لا يُنعش بقبلة في الظل، ولمسة مأجورة، وصفقة تُبرم تحت ضوء خافت؟ نحن نوفّر خدمات حين تغيب الدولة، ونُشغّل شباباً حين يصمت السوق، ونملأ فراغاً تركه الإعلام والمدرسة والعائلة.
نُدير أعمالنا بشفافية لا تراها القوانين، ونُنسّق مع صمتٍ إداري يجعلنا نشكّ أحياناً أن بعض “الأعين” تُغمض عن قصد. لسنا فوق القانون، لكننا نعيش في الفجوات بين فصوله، نزرع فيها ما نشاء من علاقات مربحة، ما دام الطلب قائماً، والغضب نادراً، والسكوت طويلاً.















