إعلان وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، عن تخصيص غلاف مالي بقيمة ثلاثة مليارات سنتيم لفائدة الصحافيين والمقاولات الصحفية تحت عنوان “حقوق المؤلف” يبدو في ظاهره خطوة إيجابية تروم تثمين الإنتاج الإبداعي داخل الحقل الإعلامي.
غير أن الطريقة التي قُدمت بها المبادرة، دون كشف تفصيلي للشروط والمعايير وآليات الاستفادة، تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى جاهزيتها وشفافيتها.
من حيث المبدأ، يتمتع الصحافي بحقوق معنوية ومادية باعتباره صاحب مصنف فكري.
الحق المعنوي يثبت صفته كمبدع للنص، أما الحق المادي فيرتبط بعائدات الاستغلال، ومنها عائدات الاستنساخ التصويري التي يعتمدها المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
غير أن الانتقال من هذا الإطار القانوني العام إلى آلية عملية لتوزيع تعويضات مالية يقتضي وضوحاً دقيقاً في المعايير، وهو ما لم يتم الإعلان عنه بعد.
الوزير اشترط أن يكون المقال “إبداعياً” وذا طابع “تحليلي أو تفسيري” وليس مجرد مقال إخباري. غير أن مفهوم الإبداع في الصحافة يظل مفهوماً فضفاضاً وقابلاً للتأويل. من سيحدد أن هذا المقال تحليلي وذا قيمة إبداعية، بينما ذاك لا يستجيب للشروط؟
هل ستكون هناك لجنة قراءة؟ وهل سيتم اعتماد شبكة تنقيط واضحة؟ أم أن التقييم سيبقى خاضعاً لتقديرات غير مضبوطة؟ التمييز بين الخبر والتحليل في الممارسة الصحفية ليس دائماً فاصلاً، كما أن كثيراً من المواد الإخبارية تتطلب جهداً مهنياً وتحقيقياً لا يقل قيمة عن المقالات التحليلية.
كما أن الإعلان عن تخصيص 70 في المائة من الغلاف المالي للصحافيين و30 في المائة للمقاولات الإعلامية يطرح بدوره أسئلة عملية.
كيف سيتم توزيع النسبة المخصصة للصحافيين؟ هل بناء على عدد المقالات المقبولة؟ هل سيتم تحديد سقف أقصى للاستفادة الفردية؟ ما هو الحجم المالي الذي يمكن أن يحصل عليه الصحافي الواحد فعلياً؟
وهل هناك حد أدنى أو معايير مرتبطة بالأقدمية أو عدد سنوات الاشتغال؟ هذه التفاصيل غائبة، ما يجعل الرقم الإجمالي المعلن غير قابل للقياس الفردي في الوقت الراهن.
تجارب سابقة في مجال الدعم العمومي للصحافة أظهرت أن المؤسسات الكبرى غالباً ما تكون الأقدر على الاستفادة بحكم إمكانياتها الإدارية والقانونية. فهل ستتمكن الصحافة الجهوية والمنصات الرقمية الناشئة والصحافيون المستقلون من الولوج إلى هذه الآلية بالشروط نفسها؟ أم أن الاستفادة ستنحصر عملياً في المؤسسات الأكثر تنظيماً وقرباً من دوائر القرار؟
غياب توضيحات حول شروط الانخراط يعمق هذا القلق.
الإعلان عن إعداد بوابة إلكترونية خلال أربعة أشهر لتنظيم عملية الاستفادة يطرح بدوره إشكال التوقيت. فالمبادرة أُعلنت سياسياً قبل أن تتضح آليتها التنظيمية، وقبل أن تُنشر الشروط والمعايير بشكل رسمي.
هذا الترتيب الزمني قد يخلق سقف انتظارات مرتفعاً لدى الصحافيين، في حين أن التفاصيل الحاسمة لم تتبلور بعد. كما يثير التساؤل حول دوافع الاستعجال في الإعلان قبل اكتمال الإطار التنظيمي، خاصة وأن تفعيل الآلية لن يتم إلا بعد أشهر.
لا يمكن إنكار أن إدماج الصحافيين ضمن منظومة حقوق المؤلف يشكل خطوة متقدمة من حيث الاعتراف بالقيمة الفكرية للمقال الصحفي، خصوصاً في سياق أزمة اقتصادية تضغط على المقاولات الإعلامية وعلى أوضاع الصحافيين الاجتماعية.
غير أن أي مبادرة من هذا النوع تحتاج إلى وضوح تام في القواعد، وعدالة في معايير الانتقاء، وضمانات للشفافية والمساءلة.
بدون ذلك، قد تتحول من آلية لتثمين الإبداع إلى مصدر جديد للجدل داخل حقل إعلامي يعيش أصلاً على إيقاع توترات مهنية ومؤسساتية متراكمة.














