في عمل أدبي يزاوج بين السيرة والرواية، أصدر الصحفي والكاتب عبد الرحمن عبد الوالي مؤلفه الجديد “جيرميبلادن”، وهو نص سردي يغوص في أعماق الذاكرة الجماعية لقرية منجمية مغربية، عاشت ازدهاراً سريعاً قبل أن تُترك لمصيرها بعد إغلاق مناجمها.
تدور أحداث الرواية من خلال عيون طفل نشأ وسط هذا الفضاء المنجمي، ليعود بعد مرور خمسين سنة إلى أطلال القرية، حيث يصطدم بتحولات قاسية جعلت من المكان الذي كان نابضاً بالحياة مجرد ذاكرة مثقلة بالحنين والأسى.

وبين الماضي والحاضر، يرسم الكاتب لوحة إنسانية مؤثرة عن قرية قاومت النسيان رغم اندثارها.
لا يقتصر العمل على البعد التوثيقي، بل يتجاوز ذلك ليكشف عمق الصراع الطبقي الذي عاشه سكان القرية، حيث عانى العمال من ظروف قاسية واستغلال رأسمالي، قبل أن تُجهز عليهم صدمة الإغلاق المفاجئ للمناجم، بما خلفه من تشرد وضياع للأحلام.
كما يستحضر النص بدايات الوعي النقابي، والإضرابات التي قادها العمال للمطالبة بحقوقهم، في مقابل قمع سلطوي زاد من حدة المعاناة.
ويقدم الكاتب، عبر تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية، صورة مركبة عن مجتمع متعدد الثقافات، عاش لحظة تلاحم إنساني قبل أن تعصف به التحولات الاقتصادية والسياسية. فالرواية ليست فقط حكاية مكان، بل شهادة عن زمن مغربي كامل، وعن فئة اجتماعية ناضلت من أجل الكرامة في ظروف قاسية.
وفي تقديمه للعمل، يشير الكاتب لحسن العسيبي إلى أن “جيرميبلادن” نص ممتع وصادق، ينهل من تجارب الحياة الواقعية، ويخاطب القارئ العادي والباحث الأكاديمي في آن واحد، لما يزخر به من غنى لغوي وسوسيولوجي وتاريخي.
كما يبرز العمل تقاطعات واضحة مع أدب المناجم العالمي، خاصة مع رواية جيرمينال للكاتب إميل زولا، ما يمنحه بعداً إنسانياً كونياً، ويضعه ضمن سياق أدبي أوسع يعالج قضايا العمال والعدالة الاجتماعية.
إجمالا، تشكل “جيرميبلادن” أكثر من مجرد سيرة ذاتية؛ إنها ذاكرة جماعية، وصرخة أدبية ضد النسيان، ومحاولة لإعادة الاعتبار لعالم منسي تحت الأرض… عالمٍ لم يختفِ، بل ما زال يسكن وجدان من عاشوه.















