في العشرين من غشت، يستحضر المغاربة واحدة من أعظم المحطات في تاريخهم الحديث: ثورة الملك والشعب، تلك اللحظة التي التحم فيها العرش بالشعب في مواجهة الاستعمار، وصاغت دروسًا عميقة في التضحية والوحدة الوطنية.
كانت ثورة ضد الاحتلال، ضد الظلم، وضد محاولات طمس هوية المغرب واستقلاله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ألا يحتاج الوطن إلى ثورة ثانية؟ ثورة سلمية، عقلانية، ولكنها جذرية ضد الفساد والعنف اللذين ينخران جسد الدولة والمجتمع؟
الفساد.. استعمار داخلي
إذا كان الاستعمار بالأمس عدوًا خارجيًا واضح المعالم، فإن الفساد اليوم هو استعمار داخلي أخطر، يتخفى خلف المناصب، الصفقات، شبكات النفوذ، والزبونية.
الفساد السياسي جعل المؤسسات في نظر المواطن عاجزة عن أداء رسالتها، ومفرغة من جوهرها الديمقراطي.
الفساد الاقتصادي عمّق الفوارق الاجتماعية، وسمح لفئة محدودة بالاغتناء غير المشروع على حساب الملايين.
الفساد الإداري عطّل الاستثمار، وأفقد المواطن الثقة في الإدارة، وحوّل الخدمات العمومية إلى متاهة من الرشوة والابتزاز.
النتيجة: شباب يائس، تعليم متردٍّ، صحة منهكة، وأفق مسدود.
عنف بنيوي ومجتمعي
العنف لم يعد مقتصرًا على الجريمة في الشارع؛ بل صار عنفًا مؤسساتيًا حين يُحرم المواطن من حقه في محاكمة عادلة أو في ولوج مستشفى لائق.
وهو عنف سياسي حين تُكبت الحريات ويُحاصر الإعلام المستقل. وهو عنف اجتماعي حين يُترك الضعفاء فريسة للحرمان والتهميش.
أي ثورة نريد؟
لسنا أمام دعوة إلى الفوضى أو العنف، بل إلى ثورة وعي ومسؤولية، تستعيد روح 20 غشت في مواجهة استعمار جديد اسمه الفساد:
ثورة مواطنة تعيد الثقة في أن الشعب ليس مجرد متفرج بل فاعل.
ثورة مؤسساتية تجعل من المحاسبة والشفافية قاعدة لا استثناء.
ثورة قيمية تعيد الاعتبار للنزاهة والعدل، وتقطع مع ثقافة “كلشي قابل للتسوية بالرشوة”.
في 20 غشت نحتفل بذكرى ثورة الملك والشعب. لكن الوفاء الحقيقي لروح تلك الثورة ليس في الاكتفاء بالشعارات، بل في تجديد العهد بثورة أخرى، ثورة سلمية ضد الفساد والعنف، ثورة تعيد للوطن هيبته، وللدولة مصداقيتها، وللمواطن كرامته.
فالمعركة اليوم ليست مع مستعمر خارجي، بل مع استعمار داخلي أخطر اسمه: الفساد.















