لم يكن القطار المتجه مساءً إلى طنجة في عجلة من أمره،كان يعرف الطريق جيّدًا، ويعرف من يركبون معه، ويعرف أيضًا من يُفترض ألا يكونوا هناك.
عند مدخل العربة، عبرتني نظرة ثقيلة،نظرة لا تسأل، بل تضعك في موضع السؤال.
كأن المكان ليس مقصورة،
بل فكرة،ومن يجلس فيها مطالب بتبرير وجوده.
لم تطُل المواجهة.
تحيّة عابرة، أسماء تتشابك، وذاكرة تسبق النظر.
جلستُ حيث دلّني الرقم،
ثم انتقلتُ قليلًا،فاكتشفتُ أن القطار، مثل اللغة، لا يكتفي بوظيفة واحدة.
الحمام حاضر، لا كزينة،
بل كإشارة.
في الشاشات، في الألوان، في الانعكاسات الخفيفة.
يدور، يحلّق، ويعيد نفسه،
كما لو كان يحرس رحلة لا تحتاج إلى وجهة.
في الطريق، كانت الجهة تُهيّئ خطابها، وكان الخطاب يُهيّئ عنوانه.
وفي الصباح، عرفتُ أن الرحلة لم تكن سوى خاتمة لمسار، أحد تلك المسارات التي تبدأ بالوعد وتنتهي عند الكلمة نفسها.
المسار لا يخطئ طريقه،
لكنه لا يغيّره أيضًا.
يمشي كثيرًا،ليعود إلى النقطة التي يعرفها.
طنجة كانت هناك،
كعادتها، جميلة بما يكفي لتُربك المعنى.
من الأعلى، يبدو كل شيء مرتبًا، البحر في مكانه، والبيوت هادئة،والخطاب واثق من نفسه.
لكن المدينة، حين تُرى من الداخل،تسير على قدمين.
تتنفّس في الأزقة الضيّقة،
وتجلس على عتبات مغوغة وبني مكادة، وتنتظر أن يُزيح أحدهم الشجر كي ترى نفسها في المرآة.
القطار مضى و المسار اكتمل.
والسنديان ظلّ في مكانه،
يؤدي مهمته بإخلاص :
حجب الرؤية.















