لم يعد النقاش حول مستوى الدراما الرمضانية نقاشًا فنّيًا صرفًا. حين يتكرر الجدل نفسه لأكثر من عقدين، ويتحول الإحساس بالضعف إلى قناعة عامة لدى جزء واسع من الرأي العام، فإن المسألة تصبح سياسية–مؤسساتية بامتياز.
نحن لا نتحدث عن موسم عابر، بل عن حصيلة تدبير امتد لأكثر من ربع قرن.
الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة يقودها فيصل العرايشي منذ نهاية القرن الماضي، بتعيين بظهير ملكي. هذه المعطيات ليست تفصيلاً إدارياً، بل جوهر النقاش. لأن السؤال لم يعد: هل هذا العمل جيد أم ضعيف؟ بل أصبح: كيف يُقيَّم أداء مؤسسة عمومية حين تستمر القيادة نفسها لعقود وسط انتقادات متكررة؟

في أي نظام مؤسساتي، التعيين في المناصب الاستراتيجية يقابله مبدأ واضح: ربط المسؤولية بالمحاسبة. فإذا كان التعيين يتم على أعلى مستوى، فمن يملك سلطة الإعفاء؟ ومن يقيّم الحصيلة؟ وهل توجد آلية موضوعية معلنة لتقييم الأداء بعد كل هذه السنوات؟
صحيح أن المؤسسة تخضع نظريًا لمجلس إداري، ولوزارة وصية، كما ينظم القطاع من طرف الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
لكن هذه الهيئات تراقب احترام القوانين ودفاتر التحملات، ولا يبدو أنها تقيّم المشروع الثقافي أو تقيس الأثر الفني. الفارق كبير بين سلامة المسطرة وجودة الرؤية.
المعضلة هنا ليست قانونية بقدر ما هي سياسية:
هل نعتبر الاستمرارية الطويلة مؤشر نجاح تلقائي؟
أم أن الاستمرارية نفسها تحتاج إلى تجديد مشروع وتقييم حصيلة؟

وإذا كان جزء من النقاش العمومي يعتبر أن الإعلام العمومي لم يرتقِ إلى مستوى انتظاراته، فمن الجهة المخولة لاتخاذ قرار المراجعة؟
عندما يكون التعيين بظهير، فإن سلطة الإعفاء تبقى في الجهة نفسها التي مارست سلطة التعيين.
هذه حقيقة دستورية. لكن في المقابل، توجد حكومة مسؤولة سياسيًا أمام البرلمان عن السياسات العمومية، بما فيها الإعلام.
فهل تمارس الحكومة دورها كاملاً في تقييم الأداء؟ وهل يُطرح هذا الملف في نقاش عمومي مؤسساتي واضح داخل البرلمان؟ أم أن الأمر يظل في دائرة الجدل الإعلامي دون أثر عملي؟
الخطورة لا تكمن في بقاء شخص بعينه، بل في غياب ثقافة التقييم الدوري.
المؤسسات لا تُقاس فقط بميزانياتها أو نسب مشاهدتها، بل بقدرتها على التطور. حين يتحول الجدل إلى طقس سنوي ثابت، فهذا مؤشر على انسداد في آلية التصحيح.
السؤال الحقيقي إذن ليس انفعالياً ولا شخصياً. إنه سؤال سلطة ومسؤولية:
من يملك حق التعيين يملك حق الإعفاء.
ومن يمول المؤسسة من المال العام يملك حق مساءلتها.
فأين تلتقي هاتان القاعدتان في الواقع العملي؟
إذا كان هناك اقتناع بأن النموذج الحالي استنفد إمكاناته، فهل توجد إرادة لمراجعته؟
وإذا كان هناك اقتناع معاكس بأنه ناجح، فلماذا لا يُعرض تقييم شفاف بالأرقام والمعايير النوعية لإقناع الرأي العام؟
الإعلام العمومي ليس تفصيلاً ثانوياً. هو أداة تشكيل وعي وصورة وهوية. لذلك فإن استمرار الجدل حوله لعقود لا يمكن أن يُختزل في اختلاف أذواق، بل يعكس حاجة إلى وضوح أكبر في منطق التعيين، والتقييم، والمحاسبة.
في النهاية، تبقى المسألة بسيطة في جوهرها:
حين تمتد المسؤولية لأكثر من ربع قرن، يصبح السؤال عن الحصيلة سؤالاً مشروعًا.
وحين تكون سلطة التعيين واضحة، فإن سلطة القرار في المراجعة أو الإبقاء تكون واضحة أيضًا.
وما بين التعيين والمحاسبة، يتحدد مستقبل الإعلام العمومي:
هل يبقى ملفًا مؤجلًا، أم يتحول إلى اختبار حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالنتائج؟















