أكدت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، أن اختزال الفساد في سلوكيات فردية أو في بعد أخلاقي ضيق يُفرغ النقاش من مضمونه الحقيقي، ويُبعده عن جوهر الإشكال المرتبط بطبيعة النظامين الاقتصادي والسياسي. واعتبرت أن أي مقاربة جادة لمكافحة الفساد تقتضي تحليلاً بنيوياً يربط الظاهرة ببنية الريع وآليات إنتاجه داخل الدولة والمجتمع.
وجاءت مداخلة التامني خلال لقاء فكري احتضنه مقر فيدرالية اليسار الديمقراطي بالدار البيضاء، خُصص لمناقشة كتاب “الفساد والريع” للدكتور عز الدين أقصبي، حيث وصفت المؤلَّف بكونه مرجعاً مهماً لفهم ميكانيزمات الريع وتشريح معيقات التنمية والحكامة. وأبرزت أن الكتاب يقدم قراءة منهجية دقيقة لكيفية تغلغل الفساد داخل البنية الاجتماعية والسياسية، وكيف يتغذى اقتصاد الريع من مواقع النفوذ والتحكم في الموارد.
وشددت التامني على أن الفساد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد انحرافات فردية معزولة، بل كظاهرة مرتبطة بمداخيل غير منتِجة لا تنبع من نشاط اقتصادي تنافسي، وإنما من الامتيازات والاحتكار والاستحواذ على القرار العمومي. وأوضحت أن هذا الربط بين الفساد والريع يفتح أفقاً تحليلياً أوسع لفهم الاختلالات التي تعرقل مسار التنمية.
وفي سياق إثارة النقاش، طرحت النائبة البرلمانية أسئلة جوهرية حول ما إذا كان من الممكن الحديث عن فساد “منظومي” متجذر، لا عن حالات معزولة، متسائلة عن الآليات التي تعيد إنتاج الريع وتحميه. كما دعت إلى التمييز بين الفساد كسلوك فردي والفساد كبنية قائمة بذاتها، معتبرة أن مفهوم الريع يمنح فهماً أعمق من التعريفات التقليدية المتداولة في الأدبيات الدولية.
وتساءلت أيضاً عما إذا كان بالإمكان تصور اقتصاد ريعي خالٍ من الفساد، أم أن العلاقة بينهما عضوية ومترابطة. وربطت استمرار الظاهرة بطبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد، مشيرة إلى أن تعدد مؤسسات الحكامة لم يُفضِ بالضرورة إلى نتائج ملموسة، ما يطرح سؤالاً حول فعالية البنية المؤسسية نفسها.
وختمت بأن مواجهة الفساد لا يمكن أن تقتصر على إحداث مؤسسات جديدة أو رفع شعارات عامة، بل تقتضي إعادة بناء قواعد المنافسة، وترسيخ الشفافية، وتعزيز العدالة واستقلال القضاء باعتبارها مدخلاً أساسياً لتفكيك اقتصاد الريع وإعادة الاعتبار لمنطق الإنتاج والمساءلة.















