في خرجة أثارت الكثير من الجدل، قارن مدير الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ميزانية حلقة واحدة من مسلسل “The Crown”، التي تقارب 70 مليون درهم، بميزانية ستة مسلسلات مغربية مجتمعة.
قد تبدو المقارنة تقنية في ظاهرها، لكنها في عمقها تعكس إشكالاً أعمق من مجرد تفاوت في الأرقام: إنها أزمة رؤية وثقة قبل أن تكون أزمة تمويل.
المشاهد المغربي لم يطالب يوماً بإنتاج ملحمي ينافس أضخم أعمال الدراما العالمية، ولم يشترط مؤثرات بصرية خارقة أو معارك تاريخية بتقنيات هوليوودية.
ما يطلبه بسيط وواضح: نص محكم، حوار يحترم ذكاءه، وإخراج يليق بثقافته وتاريخه. فالإبداع لا يُقاس بحجم الميزانية فقط، بل بقدرة صناع العمل على تحويل الفكرة إلى قيمة فنية حقيقية.
تجارب عديدة حول العالم أثبتت أن الإنتاج المتواضع مادياً يمكن أن يكون عميقاً ومؤثراً فنياً حين تتوفر الإرادة والخيال والكفاءة.
لذلك، فإن الاحتماء بضعف الميزانية لتبرير ضعف المنتوج ليس دفاعاً مقنعاً، بل أقرب إلى إقرار بالعجز. فميزانية تناهز 12 مليون درهم لمسلسل مغربي ليست رقماً بسيطاً بمقاييس الاقتصاد الوطني وقدرة المواطن الشرائية.
السؤال المشروع ليس لماذا لا نملك ميزانية “نتفليكس”، بل كيف تُصرف هذه الملايين؟ ومن يحدد الأولويات؟ ولماذا تتكرر نفس الأسماء ونفس الوصفات ونفس الإخفاقات؟
الإشكال لا يكمن في المقارنة مع منصة عالمية مثل “Netflix”، بل في تجاهل اختلاف السياقات.
تلك المنصة تشتغل بمنطق السوق العالمية والتنافس المفتوح وتراكم الخبرات، بينما يُفترض في الإعلام العمومي أن يشتغل بمنطق الخدمة العمومية: تثمين الثقافة الوطنية، دعم الكتاب والمبدعين الشباب، تشجيع التنوع، وترسيخ الجودة باعتبارها حقاً للمشاهد لا امتيازاً.
غير أن الواقع يكشف عن شعور متزايد بأن الإنتاجات، خصوصاً في رمضان، تدور في حلقة مفرغة: قصص سطحية، حوارات مستهلكة، إخراج تقليدي، وتكرار لوجوه بات حضورها أقرب إلى الريع الفني منه إلى الاستحقاق. النتيجة أن المشاهد لم يعد ينتظر شاشة القناة العمومية بشغف، بل يتجه نحو المنصات الرقمية بحثاً عن محتوى يحترم وقته ووعيه.
أزمة الإعلام العمومي ليست تقنية بقدر ما هي أخلاقية ومؤسساتية. حين تغيب المحاسبة وتضعف الشفافية في تدبير الصفقات واختيار المشاريع، يصبح من السهل تعليق الإخفاقات على شماعة “قلة الإمكانيات”.
وحين يُقصى أصحاب الكفاءة لصالح منطق الولاءات، يتحول الإبداع إلى إجراء إداري فاقد للروح.
الأخطر أن تكرار نفس البرامج والصيغ دون تجديد حقيقي يعمّق القطيعة مع الجمهور.
الإعلام العمومي ليس شركة خاصة تبحث عن الحد الأدنى من الربح، بل مؤسسة ممولة من المال العام، ما يفرض عليها التزاماً مضاعفاً بالجودة والاحترام.
المقارنة مع “The Crown” قد تصلح في نقاش تقني مغلق، لكنها لا تصلح لتبرير الرداءة أمام جمهور يمول هذا الإعلام من ضرائبه.
الثقة تُبنى حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن ذوقه محترم، وأن أمواله تُستثمر في أعمال ترتقي بالوعي بدل أن تعيد إنتاج التفاهة.
معركة الإعلام العمومي اليوم ليست مع “نتفليكس”، بل مع نفسه. إما أن يستعيد ثقة المشاهد عبر الشفافية والتجديد وفتح المجال أمام طاقات جديدة قادرة على تحويل 12 مليون درهم إلى عمل يعتز به المغاربة، أو يواصل الاحتماء بخطاب المقارنات الكبرى لتغطية إخفاقات صغرى، تاركاً الشاشة العمومية فارغة من معناها، مهما ازدحمت بالبرامج.













