ليست كل الحكايات عن المال تدور حول الرفاه والقوة، فالمسلسل المغربي “الشرقي والغربي” يُقدِّم قراءة جريئة لتفاوتات المجتمع، حيث لا يكون الدرهم المغربي دومًا مفتاحًا للعدالة. رغم حبكته العميقة، لم يُنصفه الإعلام، إذ وُضع في البرمجة التلفزيونية كعمل ثانوي، بينما يستحق أن يكون في الصدارة كنصٍّ يُحلِّل بذكاء صراع الأيديولوجيات.

المسلسل الجديد يحمل توقيع الثلاثي نورة الصقلي وسامية أقريو وجواد الحلو على مستوى كتابة السيناريو والحوار،
ويعرف مشاركة نخبة من ألمع المشخصين والنجوم المغاربة، على رأسهم الفنان عبد الله ديدان، نورة الصقلي، سامية أقريو، عزيز حطاب، وداد المنيعي، هند السعديدي، هند بنجبارة، مالك أخميس، عبد الله شاكيري، ناصر أقباب، حسن فولان، كريمة غيث وأشرف مسياح، مع عودة للممثل القدير الهاشمي بنعمر والممثلة حنان الإبراهيمي ونسرين الراضي إلى أحضان التلفزيون.
في جوهره، يتجاوز “الشرقي والغربي” مجرد كونه صراعًا بين عائلتين، ليُقدِّم قراءة بصرية عميقة للمواجهة بين الاشتراكية والرأسمالية في سياق مغربي مُعاصر.
تتجسد هذه المواجهة من خلال إسماعيل الشرقي، الذي يتمرد على ماضيه كمزارعٍ في ضيعة عائلة الغربي، لينخرط في تجارة المخدرات قبل أن يُعيد توظيف ثروته لخدمة الفقراء.
في المقابل، تُصرّ عائلة الغربي على نهجها الإنتاجي الصارم، رافضةً أي تحوُّل خارج إطارها التقليدي.
هذا الصراع لا يبقى محصورًا في دوائر المال والأعمال، بل يمتد إلى السلطة والقانون، حيث يجد العميد مصطفى نفسه ممزقًا بين واجبه كشرطي وولائه لعائلة زوجته مليكة الغربي. يصل به الأمر إلى التعاون مع إسماعيل الشرقي في التغطية على جريمة وفاة سناء الغربي، التي لقيت حتفها بسبب المخدرات التي كان يتاجر فيها إسماعيل.
كان ذلك بدافع إنقاذ عائلته ومزرعة زوجته من الضائقة المالية الخانقة، خاصة في ظل تشبثهم بخطتهم الاقتصادية التقليدية التي لم تعد قادرة على الصمود أمام التحولات الجديدة.
هذه المفارقة تضع المسلسل في قلب جدلية أعمق، حيث تتحول السلطة من أداة لتحقيق العدالة إلى ورقة مساومة تُستخدم لصالح من يملك النفوذ، سواء بالمال أو بالانتماء العائلي.
وفي خضمّ هذا التوتر، تُشكِّل العلاقة العاطفية بين يعقوب وعبلة ، جبهة جديدة للصراع، لكنها هذه المرة ليست اقتصادية أو قانونية، بل أيديولوجية بامتياز.
يعقوب، الطبيب العائد من أوكرانيا، يحمل كرهًا دفينًا للمعسكر الشرقي نتيجة مآسي الحرب التي شهدها هناك، مما يجعله أكثر ميلًا للمعسكر الغربي.
على النقيض، تجد عبلة نفسها منجذبة إلى قيم الاقتصاد الاشتراكي، إذ تعمل في صناعة الزيوت وتُصدِّرها إلى كوبا، حيث ترى نموذجًا بديلًا أكثر إنسانية من الرأسمالية المتوحشة التي تبنّتها عائلتها.
من خلال هذه الحبكة المتشابكة، يُلمِّح المسلسل إلى إمكانية صعود نظام شمولي جديد، كما هو الحال في روسيا أو الصين.
وفي الوقت نفسه، يُجسِّد قرار يعقوب وعبلة بتجاوز قيود النظامين رغبة في تأسيس مسار مستقل، مما يعكس روح دول عدم الانحياز التي قد تعود للظهور بقوة نتيجة لتحالف القيم الشرقية والغربية.















