إن أردت معرفة الضحية من الجاني، أنصت للحديث: الجاني يُحمِّل الأشخاص ذنبًا، والضحية تصف ما حدث.
في زحمة الضجيج اليومي، وفي زمن تتسابق فيه الأصوات على الإدانة قبل الفهم، صرنا نحاكم الناس بسرعة أكبر مما نصغي إليهم.
نُصدر الأحكام ونحن لم نمنح القصة حقها في أن تُروى كاملة. ومع ذلك، يظل الإنصات الصادق أصدق اختبار للحقيقة.
الضحية، حين تتكلم، لا تبحث عن شماعة. لغتها بسيطة، مثقلة بالتفاصيل، متشبثة بالوقائع.
تصف ما جرى كما حدث، بلا تزيين ولا انتقام. أما الجاني، فيغرق في تحميل الآخرين المسؤولية، يوزع الذنب بسخاء، ويهرب من مواجهة ذاته خلف اتهامات جاهزة.
في المحاكم، وفي المؤسسات، وحتى في بيوتنا، كم من مظلوم خسر صوته لأن أحدًا لم يمنحه دقيقة إنصات؟ وكم من حكاية إنسانية انقلبت ظلمًا لأنها سُمعت من طرف واحد؟
الإنصات هنا ليس ترفًا أخلاقيًا، بل فعل عدالة. هو الحد الأدنى من الإنسانية.
الصحافة، في جوهرها، ليست سباقًا نحو العناوين الصادمة، بل مسؤولية أخلاقية في نقل الألم كما هو، لا كما نريده أن يكون.
الصحفي الإنساني لا يبحث عن المذنب أولًا، بل عن الحقيقة. يستمع، يتحقق، ويمنح الصوت لمن صودر صوته طويلًا.
ربما لا نملك دائمًا القدرة على تغيير الواقع، لكننا نملك دائمًا خيار الإنصات. والإنصات، حين يكون نزيهًا، قد ينقذ ضحية، ويفضح جانيًا، ويعيد للتفاصيل الصغيرة حقها في أن تُروى… لا أن تُدان.
“انصت إلى الاخرين بنفس القدر الذي تود أن ينصتوا به إليك!” إنها القاعدة الذهبية للاقناع. حتى لو كلفنا الإنصات نسيان ما نود قوله.















