لردح طويل من الزمن ، ظلت قطاعات واسعة من الأنشطة المعرفية بمنأى عن شرور الأتمتة . والى حد قريب ، ظلت الأنشطة الفكرية تتبجح بحصانتها . غير أن التطور المتواتر للنماذج اللغوية الكبيرة سرعان ما دفع بهذه الحقول داخل مجال “التعرض التقني”. ليغدو النشاط المعرفي سيرورة إجرائية تفكيكية ، تجعل من النشاط الذهني شأنا معياريا .
التسلسل والقياس يقتضيان بالضرورة إعادة تشكيل القيمة داخل المهنة ، وصوغها من جديد في نهاية المطاف
جبهة التعرض الجديدة : التقرير الاستراتيجي الأفريقي ومخاطر الأتمتة
أصدر المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تقريره المقارن ، الموسوم ب”الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل أسواق العمل في الدول العربية والافريقية” في أفق 2030-2035 .
ويسعى التقرير الى بناء خريطة لجبهة التعرض الجديدة في أسواق العمل العربية والأفريقية من خلال تسليط الضوء على المهن والمهام الأكثر قابلية للتحول . مع ما يقتضيه ذلك من تمييز صريح بين التعرض التقني الخام وتحول المحتوى المهني والتعزيز الإنتاجي والفقدان الفعلي للوظائف .
وقد حظي المغرب بمساحة هامة من التقرير ، بوصفه اقتصادا خدميا منفتحا صعد تاريخيا عبر “تحكيم كلفة العمل” في بعض الخدمات المصدرة ، ليجد نفسه اليوم أمام تحدي الانتقال نحو “تحكيم الخوارزميات” .
التحدي الوطني : فجوة الاستيعاب
يشير التقرير الى أرقام مقلقة للمغرب : 1،5 مليون منصب عرضة للتحول البنيوي وشروط التقانة ومن المحتمل أن تتسع قاعدة هذا الأثر الى 5،1 مليون منصب . بينما يتهدد الفناء 2،9 مليون منصب تقع في تماس مباشر مع مناطق الأخطار المرتفعة .
كما يذكر التقرير فان “التحدي المغربي لا يتمثل في اتساع التحول وحده ، بل في الفجوة بين سرعة إعادة تشكيل العمل وسعة القدرة الوطنية على استيعابه” دون وجود مواكبة كافية لاعادة التأهيل والادماج . تعتبر هذه الهوة “عقدة مركزية” في النموذج التنموي الحالي .
وتتضاعف هذه المخاطر عند النظر الى فئة الشباب ، بوصفها الأكثر عرضة لتداعيات الذكاء الاصطناعي والتي تشكل عائقا في طريقهم نحو الاندماج المهني ، في بلد يبلغ فيه معدل البطالة لدة الفئة 15 – 24 37،2% . و النساء اللواتي يرتكزن بدرجة أعلى في قطاعات أكثر تعرضا ، مما يهدد حوالي 400 الف منصب نسائي.
الحالة المغربية : مفارقة الذكاء الاصطناعي و “القطاع غير الميهكل “
على الرغم من القلق العالمي ، لا تزال العديد من قطاعات والمجالات بالمغرب خارج المدار المباشر للأتمتة ، ويعزى ذلك حسب التقرير الى محدودية الاستثمار وهيمنة القطاع غير المهيكل ، الذي يغطي نسبة 67،6% من مجموع التشغيل . فضلا عن حاجة القطاعات الحيوية ( مثل الفلاحة والبناء …) والعديد من الخدمات بالمغرب الى “حضور” فيزيائي ، يكبح سرعة انتقال الأثر ويعمل كصمام أمان .
ومع ذلك لا بد من الحذر و تنسيب الحقائق ، اذ نقرأ في التقرير أن الحد الأدنى للأجور في المغرب، وان كان يلغي عادة المبرر الاقتصادي للأتمة بالمقارنة مع الاقتصادات المرتفعة الأجور الى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يغير المعادلة ، فهو يقتحم المهام المعرفية واللغوية بكلفة هامشية جد منخفضة . ما يجعل الخوارزميات تهيمن على الخدمات المكتبية المنظمة و يزج بالمهام النصية بالدرجة الأولى والخدمات المعيارية والتفاعلات المعاملاتية سيما الأوفشورينغ و BPO داخل منطقة الخطر المرتفع (حوالي 44.600 منصب).
ما وراء “الاستبدال” هيكلة قسرية للمهام :
يعتمد التقرير في مقاربته لهذا التأثير على “المهام” التي تتكون منها المهنة كوحدة تحليلية بدل “العمل” لاكتشاف درجة قابلية الأنشطة للأتمتة أو للتعزيز أو لإعادة التوزيع . فالتحول لا يظهر في الغالب ” في صورة اختفاء فوري للمهن بل في شكل إعادة توزيع لمحتوى العمل وانتقال جزئي للقيمة المهنية من التنفيذ المباشر الى الاشراف … ”
وبحسب التقرير فان “التقدم التقني الراهن لا يستهدف الوظائف في صورتها القانونية المباشرة ، بل ينفذ الى داخلها عبر سلاسل الأفعال الأولية” أي أنه يتسلل خلسة ليصبح جزءا من مراحل كل نشاط على حذة (استخراج البيانات ، تصنيفها ، مطابقتها ومراجعتها …) .
بناء على ما تقدم به التقرير ، فان الأتمتة لا تتصل بخطر الاستبدال فحسب ، وانما تتجاوز ذلك الى إعادة هيكلة قسرية للمهام و ما يلازمها من أنماط تشغيلية جديدة . فالمؤسسات باتت تلجأ لتسريح هؤلاء العاملين تحت مبررات “الكفاءة” أو بحجة “عدم امكانية تأهيلهم” أو لارتباطهم بلوجيستيك واليات بالية ثم التخلي عنها .
وتشير لغة الأرقام في التقرير الى فداحة الموقف . ففي الولايات المتحدة وحدها وفي غضون عامين فقط تضاعف حجم مناصب العمل الملغاة بفعل الأتمتة 12 مرة ، لتصل الى 55 ألف منصب .
على المستوى الإقليمي يشير التقرير الى أن 2،2% من الوظائف تواجه تعرضا مرتفعا للأتمتة الكاملة في حين ينفرد الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده بإعادة صياغة 8 ملايين منصب سيغير محتواه المهني .














