كشف التقرير السنوي للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها برسم سنة 2025، عن تحول نوعي في مسار المنظومة الوطنية، حيث انتقلت من مرحلة البناء المؤسساتي إلى مرحلة قيادة المنظومة والاستشراف.
وأبرز التقرير أن المغرب حقق تحسناً ملموساً في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025، محتلاً المرتبة 91 عالمياً بـ 39 نقطة، في أول تحسن منذ سنة 2018.
غير أن القراءة التحليلية للمؤشرات الدولية، التي استعرضها التقرير، كشفت عن صورة مزدوجة؛ ففي الوقت الذي توقف فيه المسار التراجعي في مؤشر مدركات الفساد، سجل المغرب تراجعاً طفيفاً في مؤشر بازل لمكافحة غسل الأموال (5.04 نقطة)، وارتفاعاً في مخاطر الفساد السياسي المرتبط بالجهاز التنفيذي وفق مؤشر “V-Dem”.
ويُعزى هذا التفاوت، حسب الهيئة، إلى استمرار الفجوة بين جودة الإصلاحات المعيارية والقوانين المعتمدة، وبين مستوى التنفيذ الفعلي والامتثال على أرض الواقع.
وفي سياق متصل، خلص التقييم النهائي للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2015-2025) إلى تسجيل فجوة واضحة بين حجم المشاريع المبرمجة (بنسبة إنجاز 76%) والأثر الحقيقي المتحقق.
وأوضح التقرير أن الإصلاحات الهيكلية والمهيكلة، وعلى رأسها تجريم الإثراء غير المشروع، وتطوير نظام التصريح بالممتلكات، والوقاية من تضارب المصالح، ظلت متعثرة أو لم تبلغ مرحلة التفعيل الكامل، مما حدّ من قدرة المنظومة على إحداث تحول ملموس في إدراك المواطنين.
من جهة أخرى، كشفت المعطيات القضائية والوطنية عن تنامي الطلب المجتمعي على آليات المساءلة؛ حيث توصل الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة بأزيد من 94 ألف مكالمة منذ إطلاقه، فيما سجلت سنة 2025 وحدها 493 شكاية، تصدرتها قطاعات الإدارة الترابية والجماعات المحلية، تليها منظومة العدالة.
وأرجعت الهيئة تراجع القضايا الرائجة أمام أقسام الجرائم المالية إلى جهود تصفية المخزون، محذرة من أن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع الظاهرة.
ودعت الهيئة الوطنية للنزاهة، في ختام تقريرها، إلى ضرورة الانتقال من منطق “تدبير المشاريع” إلى “قيادة النتائج والأثر”. وشددت على الحاجة الملحة لإعادة بناء الاستراتيجية الوطنية المقبلة حول إدارة المخاطر وتقليصها، وإحداث وكالة متخصصة لتدبير واسترداد الموجودات المحجوزة أو المصادرة، وتعزيز التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي كرافعة لليقظة المؤسساتية والإنذار المبكر.















