لم تعد بعض منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لتبادل الأخبار والآراء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محاكم افتراضية تُصدر الأحكام وتنفذ العقوبات قبل أن يقول القضاء كلمته. وفي ظل السباق المحموم نحو الإثارة وزيادة التفاعل، أصبحت سمعة الأفراد وكرامتهم أولى ضحايا الأخبار غير الموثقة والإشاعات التي تنتشر بسرعة تفوق انتشار الحقيقة.
ومن بين آخر النماذج التي أثارت الجدل، ما تعرض له الفلاح المعروف بإقليم تاونات، الملقب بـ”التاوناتي”، بعدما تداولت صفحات وحسابات على مواقع التواصل منشورات ربطت اسمه بما يعرف إعلاميا بملف “إسكوبار الصحراء”، رغم أن هذا الملف استوفى جميع مراحله القضائية، وصدر بشأنه حكم نهائي حدد المسؤوليات وفق ما انتهت إليه العدالة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت بعض المنشورات إلى ربط اسم “التاوناتي” بإحدى الشخصيات السياسية المعروفة بالإقليم، وهو ما دفع هذا المسؤول السياسي إلى الإعلان عن عزمه اللجوء إلى القضاء ومتابعة كل من تورط في نشر أو إعادة نشر ما اعتبره أخبارا زائفة تمس بسمعته وبالحقيقة.
ووفقا لمصادر مطلعة، فإن “التاوناتي” سبق أن كان موضوع متابعة قضائية في قضية تتعلق بالاتجار في المخدرات، غير أن القضاء انتهى إلى التصريح ببراءته بموجب أحكام قضائية نهائية، وهو ما يجعل إعادة تداول تلك الاتهامات اليوم، وتقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق ثابتة، أمرا يتعارض مع مبدأ قرينة البراءة، ويطرح تساؤلات جدية حول حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن الرجل يعرف داخل محيطه الاجتماعي بأعماله الخيرية ومساهماته الإنسانية ومساعدته للمحتاجين، كما ينحدر من أسرة وطنية عريقة، وهو حفيد أحد المقاومين الذين شاركوا في مقاومة الاستعمار وقدموا تضحيات جساما دفاعا عن استقلال الوطن.
إن أخطر ما تفرزه حملات التشهير ليس فقط نشر معلومات قد تكون غير صحيحة، بل تحويل مجرد الاتهام إلى إدانة في نظر الرأي العام، حتى بعد أن تثبت العدالة عكس ذلك، فكم من شخص دفع ثمن إشاعة؟ وكم من أسرة تحملت تبعات التشهير رغم أن القضاء أنصف أبناءها؟
إن دولة الحق والقانون لا تبنى على الإشاعات ولا على الأحكام الصادرة من صفحات مجهولة، وإنما على الأدلة والضمانات القانونية والأحكام القضائية. ولذلك، فإن احترام قرينة البراءة ليس خيارا، بل مبدأ دستوري وقانوني يحمي الجميع، لأن المتابعة القضائية لا تعني الإدانة، والاتهام لا يرقى إلى مرتبة الحقيقة إلا بحكم قضائي نهائي.
ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل: إذا كانت العدالة قادرة على إنصاف الأبرياء داخل قاعات المحاكم، فمن يعيد إليهم سمعتهم بعد أن تكون قد اغتيلت على منصات التواصل الاجتماعي؟















