أعادت أحداث العبور الجماعي غير المسبوقة نحو مدينة سبتة المحتلة، إلى الواجهة وثيقة رسمية صادرة عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي، تصف سبتة ومليلية بأنهما “مدينتان تخضعان للإدارة الإسبانية وتقعان في التراب المغربي”، وتدعو إلى انخراط دبلوماسي بين الرباط ومدريد بشأن وضعهما المستقبلي.
وتجدد الجدل حول الوثيقة، اليوم السبت، بعدما نشر النائب الجمهوري توماس ماسي صورة للفقرة المتعلقة بالمدينتين، معتبراً أن مجلس النواب الأمريكي صوت، قبل نحو أسبوعين، على مشروع “يمهد لنقل أراض خاضعة لإسبانيا إلى المغرب”، مشيراً إلى أنه كان الجمهوري الوحيد الذي صوت ضده.

وبالعودة إلى الوثائق الرسمية، يتبين أن الصورة مأخوذة من التقرير رقم 119-631، الذي أعدته لجنة الاعتمادات بمجلس النواب لمرافقة مشروع قانون تمويل الأمن القومي ووزارة الخارجية والبرامج المرتبطة بها للسنة المالية 2027.
وجاء في فقرة مخصصة للمغرب أن اللجنة “تسجل التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة والمغرب، الذي جرى إضفاء الطابع الرسمي عليه سنة 1786 من خلال معاهدة السلام والصداقة المغربية الأمريكية”. وأضاف التقرير أن “مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية تقعان في التراب المغربي، وتظلان موضوع مطالبة مغربية ممتدة منذ زمن طويل”، مؤكداً دعم اللجنة للجهود التي يبذلها وزير الخارجية الأمريكي من أجل “تشجيع الانخراط الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا بشأن الوضع المستقبلي لسبتة ومليلية”.
وتكتسب هذه الصياغة أهمية سياسية كبيرة، لأنها لا تكتفي بالإشارة إلى وجود مطالبة مغربية بالمدينتين، بل تصفهما صراحة بأنهما تقعان في “التراب المغربي”، مقابل استخدام عبارة “الخاضعتان للإدارة الإسبانية”، كما تتعامل مع وضعهما باعتباره ملفاً يمكن أن يكون موضوع تفاوض مستقبلي بين الرباط ومدريد.
وتضمنت الفقرة نفسها توجيهاً بتخصيص ما لا يقل عن 20 مليون دولار للمغرب ضمن برامج الاستثمار في الأمن القومي، إلى جانب 20 مليون دولار أخرى في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي، بما مجموعه 40 مليون دولار من المساعدات الأمنية والعسكرية المقترحة.
وكان التقرير قد قدم في 30 أبريل 2026 من طرف النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت، رئيس اللجنة الفرعية المكلفة بالأمن القومي ووزارة الخارجية، حيث سبق لدياز بالارت أن صرح بأن سبتة ومليلية “تقعان في التراب المغربي”، وأن وضعهما يتعين أن يناقش بين الدول الحليفة.

وفي 15 يوليوز الماضي، أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع القانون المرتبط بالتقرير، الذي يحمل رقم H.R. 8595، بأغلبية 217 صوتاً مقابل 209 أصوات، حيث حصل المشروع على تأييد 215 نائباً جمهورياً، بينما كان توماس ماسي الجمهوري الوحيد الذي صوت ضده.
وأحيل المشروع لاحقاً على مجلس الشيوخ، الذي توصل به في 29 يوليوز، ما يعني أنه لم يتحول بعد إلى قانون نافذ، ولا يزال يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ ثم توقيع الرئيس الأمريكي.
غير أن وصف ماسي للتصويت بأنه تفويض بنقل سبتة ومليلية إلى المغرب يتجاوز المضمون القانوني للوثيقة. فالفقرة لا توجد داخل النص التشريعي نفسه، بل ضمن التقرير التفسيري المرافق له، ولا تتضمن أي قرار بنقل السيادة أو الاعتراف الرسمي بمغربية المدينتين.
وتوضح قواعد مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي أن توجيهات تقارير اللجان لا تكون ملزمة قانونياً للسلطة التنفيذية، إلا إذا جرى إدراجها صراحة أو بالإحالة داخل نص قانوني، لكنها تظل تعبيراً رسمياً عن توجه اللجنة ومؤشراً سياسياً يمكن أن يؤثر في أولويات وزارة الخارجية الأمريكية.
وكان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس قد رد عند ظهور التقرير أول مرة في ماي الماضي، مؤكداً أن “إسبانية سبتة ومليلية لا تقبل الشك”، في موقف يعكس حساسية مدريد تجاه أي تحول في الخطاب الأمريكي بشأن المدينتين.














