تتجه المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة إلى فتح صفحة مختلفة في المشهد السياسي المغربي، في ظل معطيات جديدة أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة، وفي مقدمتها تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج، وتراجع الموقع السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها.
وبحسب معطيات متداولة في أوساط حزبية، فإن رئيسة الحكومة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، تكون قد قطعت أشواطاً مهمة في مشاوراتها مع عدد من الأحزاب، وسط حديث عن إمكانية تشكيل أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية.
وإذا تأكد هذا السيناريو، فإن الأمر لن يتعلق بمجرد حسابات عددية لتوفير الأغلبية البرلمانية، بل بإعادة ترتيب واضحة لخريطة التحالفات السياسية بالمغرب، وبالخصوص على مستوى العلاقة مع حزب التجمع الوطني للأحرار.
هل نحن أمام عودة للكتلة؟
التركيبة المتداولة تثير سؤالاً سياسياً لافتاً: هل تتجه المنصوري إلى بناء أغلبية تستند، ولو جزئياً، إلى مكونات ما كان يعرف تاريخياً بـ”الكتلة الديمقراطية”، مع الاستعانة بأحزاب أخرى لتوفير أغلبية مريحة داخل البرلمان؟
فوجود الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في تركيبة حكومية واحدة سيكون ذا دلالة سياسية تتجاوز مجرد المشاركة في الحكومة.
فهذه الأحزاب، رغم اختلاف مساراتها ومواقفها خلال السنوات الأخيرة، تحمل إرثاً سياسياً مشتركاً، وكانت في مراحل مختلفة جزءاً من تجربة “الكتلة”.
غير أن السياق الحالي مختلف تماماً.
الأحزاب الثلاثة لم تعد تتحرك بالوزن السياسي والتنظيمي نفسه الذي كانت تتمتع به في مراحل سابقة، كما أن التحالف بينها داخل الحكومة لن يعني بالضرورة عودة “الكتلة” بصيغتها التاريخية.
الأقرب، في هذه الحالة، أن تكون المنصوري بصدد بناء تحالف حكومي جديد يستفيد من بعض مكونات الكتلة، أكثر مما يتعلق الأمر بإحياء الكتلة كتحالف سياسي موحد.
إبعاد الأحرار.. قرار سياسي أم حسابات تفاوضية؟
المعطى الأكثر إثارة في السيناريو المتداول هو احتمال استبعاد حزب التجمع الوطني للأحرار من الحكومة المقبلة.
فالأحرار، الذي تصدر الانتخابات التشريعية السابقة وقاد الحكومة خلال الولاية المنتهية، يجد نفسه هذه المرة في موقع تفاوضي مختلف.
كما أن تراجع نتائجه مقارنة بحزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال يجعله أقل قدرة على فرض شروطه في المفاوضات.
وإذا صحت المعطيات التي تتحدث عن اتفاق ثلاثي بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية على عدم التحالف مع الأحرار، فإن ذلك يعني أن المفاوضات الحكومية قد حسمت جزءاً مهماً من معادلتها قبل أن تبدأ بشكلها النهائي.
لكن استبعاد الأحرار، إن حصل، لن يكون بلا كلفة سياسية. فهذا الحزب لا يزال يتوفر على كتلة برلمانية مهمة، كما أن إخراجه من الأغلبية سيطرح أسئلة حول طبيعة التوازنات التي ستتحكم في الحكومة الجديدة.
المنصوري أمام معادلة صعبة
تملك فاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها رئيسة الحكومة المكلفة ومن قيادة الحزب المتصدر للانتخابات، فرصة تشكيل أغلبية جديدة، لكنها في المقابل مطالبة بتدبير شبكة معقدة من المصالح الحزبية.
فكل حزب سيدخل الحكومة سيبحث عن حصته من الحقائب الوزارية، وعن ضمانات سياسية وبرنامجية، وعن موقع مناسب داخل الأغلبية.
ولهذا، فإن انتقال المنصوري من مرحلة المشاورات إلى مرحلة التفاوض حول الحقائب سيكون الاختبار الحقيقي لقدرتها على بناء تحالف متماسك، وليس مجرد تجميع للأحزاب القادرة على توفير النصاب العددي داخل البرلمان.
ومن هنا يمكن فهم الطلب، وفق المعطيات المتداولة، من الأحزاب المعنية بإعداد لوائح مقترحاتها للاستوزار.
فهذه الخطوة، إن تأكدت، تعني أن المشاورات تكون قد انتقلت من البحث عن الحلفاء إلى مرحلة أكثر دقة تتعلق بتوزيع المسؤوليات داخل الحكومة.
حكومة بلا أخنوش.. ما دلالة ذلك؟
في حال تأكد استبعاد التجمع الوطني للأحرار، فإن أهم ما سيترتب عن ذلك هو انتقال الحزب من موقع قيادة الحكومة إلى موقع المعارضة البرلمانية، وهو تحول سياسي كبير بالنسبة إلى حزب ظل خلال السنوات الأخيرة في قلب القرار التنفيذي.
كما أن خروج الأحرار من الحكومة سيعيد رسم العلاقة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، وقد يفتح الباب أمام إعادة تموقع عدد من الأحزاب داخل البرلمان.
غير أن السؤال لا يتعلق فقط بمن سيكون داخل الحكومة ومن سيكون خارجها، بل أيضاً بطبيعة البرنامج الذي ستقدمه الأغلبية الجديدة، وبمدى قدرتها على تجاوز الخلافات الحزبية وتنفيذ الوعود الانتخابية.
هل هي أغلبية جديدة أم إعادة ترتيب قديم؟
قد تبدو الخريطة الحكومية المتداولة للوهلة الأولى مختلفة عن تركيبة الحكومة السابقة، لكنها في العمق تعكس استمرار منطق التحالفات التي تقوم على جمع قوى سياسية متعددة داخل أغلبية واحدة.
والفارق الأساسي هذه المرة هو أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي انتقل إلى موقع الحزب الأول، هو الذي يوجد في مركز عملية تشكيل الحكومة، بينما يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام احتمال الانتقال إلى المعارضة.
وبين السيناريوهين، تبقى كلمة الفصل في المرحلة المقبلة للمفاوضات السياسية وللتوازنات التي ستتبلور حول توزيع الحقائب والبرنامج الحكومي.
لذلك، فإن الحديث عن حكومة جديدة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية يظل، إلى حين الإعلان الرسمي، سيناريو سياسياً متداولاً وليس تركيبة حكومية نهائية.
لكن المؤكد أن المغرب يقف أمام إعادة ترتيب مهمة لخريطة التحالفات، وأن السؤال لم يعد فقط: من سيشكل الحكومة؟ بل أصبح أيضاً: هل نحن أمام نهاية مرحلة الأحرار وعودة مكونات الكتلة إلى مركز القرار، أم أمام تحالف جديد بأسماء قديمة وحسابات سياسية جديدة؟
يمكن أيضاً جعل المقال أكثر جرأة وتحليلاً، مع عنوان فرعي من قبيل: «استبعاد الأحرار يعيد رسم خريطة الأغلبية ويضع مكونات الكتلة في قلب المشاورات».















