في زيارة أخيرة لمدينة مراكش، كان من بين المحطات التي توقفت عندها متحف ومقهى دار الباشا الكلاوي، ذلك القصر الفخم الذي كان يسكنه الباشا التهامي الكلاوي، والذي تحول اليوم إلى فضاء يجمع بين المتحف والمقهى الراقي.
لكن ما بدأ كزيارة سياحية عادية تحول سريعا إلى مادة للتأمل في سؤال أعمق: من يملك، حقا، هذا الإرث المغربي؟
بوابة لا تُفتح إلا بثمن
قبل الدخول إلى المقهى، على الزائر أن يؤدي 25 درهما، مع بعض الاستثناءات المحدودة لفئات معينة كالطلبة والأساتذة مثلا.
أما الانتظار، فحدث ولا حرج: ساعة أو ساعة ونصف، وأحيانا ساعتان أو ثلاثة، بسبب ضيق المكان وضرورة حجز فترة زمنية لا تقل عن ساعة لضمان مقعد.
المتحف نفسه يستحق الزيارة: منزل كبير بحجم قصر، يضم أجنحة متعددة كانت مخصصة لحريم الباشا، ومطاعم وحمامات وصالات فسيحة، إضافة إلى معارض فنية تستضيف لوحات تشكيلية لفنانين مغاربة وأجانب.
قائمة طعام بلا مغرب فيها
الصدمة الحقيقية جاءت مع قائمة المشروبات. فيها قهوة من بلدان متعددة، ومشروبات متنوعة من آسيا وإفريقيا والخليج العربي وحتى أمريكا اللاتينية، لكن الغائب الأكبر كان: القهوة المغربية والشاي المغربي.
سؤال بسيط للنادل عن السبب جاء بجواب مقتضب: “هادشي اللي كاين”، أي أن هذا هو المتوفر فقط، مؤكدا عدم وجود أي شاي مغربي في القائمة. وعند الاستفسار عن الجهة المسؤولة عن إدارة المقهى، أوضح النادل أن صاحب المكان مغربي، لكن الإدارة الفعلية بيد مديرة فرنسية “تختار كل شيء من خارج المغرب إلا ما هو مغربي”، على حد تعبيره، مضيفا أن حتى الزي الرسمي للطاقم فرنسي الطابع، باستثناء الطربوش الأحمر الذي يبقى الإشارة الوحيدة إلى الهوية المغربية وسط سروال ومعطف فرنسيين بالكامل.
مفارقة لافتة: دار الكلاوي التي كانت يوما بيتا للشاي والقهوة المغربيين الأصيلين، تحولت اليوم إلى فضاء يقصي هذا الموروث بالذات من قائمته.
أثمنة لا تعكس إلا الاستثناء
إلى جانب غياب المشروبات المغربية، تبرز مسألة الأثمنة الباهظة، سواء للمشروبات أو للحلويات، حيث قد يتجاوز ثمن بعض أنواع القهوة الخاصة 1200 درهم للكوب الواحد، وهو رقم يضع هذا الفضاء بعيدا عن متناول أغلب المغاربة، ويحصر تجربته في فئة محدودة من الزوار.
حين يشعر المغربي بالغربة في مدينته
خلال الجلسة، كان بجواري سائح مصري يتحدث مع زميلتة بالإنجليزية، وحين حاول أن يطلب من النادل “شيئا مغربيا”، جاءه الجواب بالنفي القاطع: “لا يوجد شيء هنا مغربي”. لحظة تكررت فيها المفارقة ذاتها: مغربي يبحث عن هويته في مقهى ببلده فلا يجدها، ومصري عربي شقيق يبحث عن نكهة مغربية في قلب مراكش فلا يظفر بها أيضا.
استقلال لم يكتمل؟
يخلص هذا المشهد الصغير في أحد أرقى فضاءات مراكش السياحية إلى سؤال أكبر: هل حصل المغرب فعلا على استقلاله الثقافي والاقتصادي، أم أن الاستقلال السياسي وحده تحقق، بينما ظلت مفاصل أساسية من القرار -حتى في تفاصيل بسيطة كقائمة مشروبات في قصر مغربي عريق- بيد إدارة أجنبية تُقصي المنتج والهوية المحليين؟
سؤال يستحق أن يُطرح، لا فقط في دار الباشا الكلاوي، بل في كل فضاء يحمل اسم المغرب ولا يقدم منه شيئا.















