بداية، لا نشكك في نوايا البطل المغربي مصطفى لخصم، ولا في رغبته في الاستمرار في ممارسة السياسة. فالنوايا لا يعلمها إلا الله، والسياسة، مثل الرياضة، تحتاج إلى نفس طويل وإلى قدرة على تحمل الضربات.
لكن بين النية والاختيار مسافة، وبين الشعارات والممارسة مسافة أكبر.
ولخصم نفسه سبق أن قال، في أكثر من مناسبة، إنه ندم على العودة إلى المغرب، وإنه كان يعيش في راحة خارج البلاد.
وهنا لا بد من سؤال بسيط، ليس بالضرورة أن يكون سياسياً: إذا كان الإنسان قد وجد الراحة، فلماذا يتركها بإرادته بحثاً عن التعب؟ أم أن الراحة، في نهاية المطاف، ليست دائماً في المكان الذي نظنه؟
لنترك جانباً كل التفاصيل التي طفت على السطح خلال الخلاف بين لخصم والحركة الشعبية، خصوصاً علاقته بالأمين العام للحزب محمد أوزين. فالمهم هنا ليس إعادة محاكمة ما قيل وما قيل عنه، وإنما التوقف عند واحدة من أكثر النقاط إثارة للانتباه في تلك المواجهة.
فقد أثار لخصم، كما أثار معه الرأي العام، تصريح نُسب إلى محمد أوزين مفاده أن مشاكل لخصم مع وزارة الداخلية قد تؤثر في إمكانية ترشيحه مستقبلاً باسم الحركة الشعبية.
إذا صحت هذه الصيغة، فإن السؤال الذي طرح نفسه آنذاك كان أكبر من خلاف بين رجل وحزب: هل يمكن أن تمتد سلطة الإدارة إلى قرار الحزب في اختيار مرشحيه؟ وهل أصبحت الداخلية، بشكل مباشر أو غير مباشر، طرفاً في تحديد من يدخل ومن يخرج من المشهد الانتخابي؟
أسئلة من هذا النوع لم يكن من السهل تجاوزها، خصوصاً أن الحركة الشعبية نفسها تنتمي إلى ما يعرف في التاريخ السياسي المغربي بـالأحزاب الإدارية، أي الأحزاب التي نشأت في سياق سياسي ارتبط بمواجهة أو موازنة نفوذ أحزاب الحركة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال.
خرج مصطفى لخصم من «السنبلة» محتجاً على ما اعتبره تدخلاً للداخلية في القرار الحزبي.
حسناً.
ولكن إلى أين ذهب؟
هنا تبدأ المفارقة.
لم يذهب إلى حزب من خارج هذه الدائرة السياسية، ولم يختر تنظيماً يقطع معه تماماً على مستوى المرجعية والتاريخ السياسي، وإنما اتجه إلى الحركة الديمقراطية الاجتماعية، الحزب الذي يحمل في الانتخابات رمز «النخلة».
وهنا يصبح العنوان أكثر إغراءً للسخرية السياسية:
لفظته «السنبلة».. فتشعبط بـ«النخلة».
قد يبدو الأمر مجرد لعبة على الرموز الانتخابية، لكنه في العمق يحمل مفارقة سياسية لا تخلو من الدلالة.
فالحركة الديمقراطية الاجتماعية تأسست سنة 1996 على يد قيادات انشقت عن الحركة الوطنية الشعبية التي كان يقودها المحجوبي أحرضان، أي أنها تنتمي تاريخياً إلى العائلة السياسية نفسها التي خرجت منها الحركة الشعبية.
بمعنى آخر، خرج لخصم من حزب «السنبلة»، لكنه لم يغادر بالضرورة البيت السياسي الكبير الذي تنتمي إليه السنبلة.
وهنا لا بد من التوقف قليلاً.
إذا كان اعتراض مصطفى لخصم على الحركة الشعبية مرتبطاً، كما قال، بنفوذ وزارة الداخلية في القرار الحزبي، فكيف نفهم اختياره اليوم لحزب كان مؤسسه وأمينه العام التاريخي محمود عرشان أحد الأطر والمسؤولين السابقين بوزارة الداخلية؟
لا يتعلق الأمر هنا بإدانة مصطفى لخصم، ولا بالحكم على نواياه، وإنما بالمفارقة السياسية الصارخة بين الخطاب الذي خرج به من الباب والوجهة التي اختار الدخول منها إلى بيت سياسي آخر.
محمود عرشان لم يكن مجرد سياسي عابر. فقد كان موظفاً سامياً بوزارة الداخلية قبل أن يؤسس الحركة الديمقراطية الاجتماعية سنة 1996، وهو ما جعل اسمه، في الذاكرة السياسية المغربية، مرتبطاً بمرحلة كانت فيها وزارة الداخلية لاعباً قوياً في الحياة السياسية والحزبية.
ثم إن الحزب الذي انتقل إليه لخصم لا يزال يحمل اليوم اسم الحركة الديمقراطية الاجتماعية، ويرأسه عبد الصمد عرشان، نجل المؤسس محمود عرشان.
وهكذا يجد لخصم نفسه في وضع سياسي شديد الغرابة:
غادر الحركة الشعبية لأنه لم يقبل، بحسب روايته، أن تكون للداخلية كلمة في مستقبله الانتخابي، ثم وجد نفسه داخل حزب أسسه أحد كبار رجال الإدارة الترابية في مرحلة كان فيها حضور الداخلية في الحياة السياسية أكثر وضوحاً وأشد قوة.
فهل كان يريد مغادرة نفوذ الداخلية، أم مغادرة محمد أوزين فقط؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
لأن هناك فرقاً كبيراً بين أن ترفض شخصاً أو قيادة حزبية، وبين أن ترفض منظومة سياسية بأكملها.
إذا كان الخلاف مع أوزين، فالأمر مفهوم: يخرج الرجل من الحركة الشعبية ويلتحق بحزب آخر.
أما إذا كان الخلاف مع منطق الأحزاب الإدارية ونفوذ السلطة في الحياة الحزبية، فإن اختيار الحركة الديمقراطية الاجتماعية يفتح باباً واسعاً للأسئلة.
بل قد يقول البعض، بسخرية سياسية، إن الرجل لم يغادر الحقل الذي كان ينتقده، وإنما غيّر فقط الرمز الانتخابي على قميصه.
من «السنبلة» إلى «النخلة».
والفارق أن السنبلة والنخلة، رغم اختلاف الثمار، تنتميان في النهاية إلى الحقل نفسه.
قد يقول قائل إن الأحزاب تتغير، وإن الزمن تغير، وإن الحركة الديمقراطية الاجتماعية اليوم ليست بالضرورة هي الحركة الديمقراطية الاجتماعية في تسعينيات القرن الماضي، وإن أبناء المؤسسين ليسوا آباءهم، وإن السياسة لا تورث مواقفها كما تورث الأسماء.
وهذا كلام صحيح.
لكن السياسة ليست فقط أسماءً حاضرة؛ إنها أيضاً ذاكرة ومسارات وتحالفات ورموز.
ومن حق الناخب أن يسأل: لماذا هذا الحزب بالذات؟
ومن حقه أن يقارن بين ما قاله السياسي بالأمس وما فعله اليوم.
ومن حقه أيضاً أن يسأل مصطفى لخصم، وهو الرياضي الذي عرفناه بطموحه وإصراره على تجاوز العقبات:
هل غيرتَ القميص فقط، أم غيرتَ الملعب أيضاً؟
المشكلة ليست في أن يختار لخصم حزباً جديداً. فهذا حقه الكامل، بل وربما يكون ضرورياً إذا كان يريد الاستمرار في العمل السياسي.
المشكلة تبدأ عندما تكون مبررات الخروج من حزب ما هي نفسها التي تجعل اختيار الحزب الجديد موضع سؤال.
إذا كان قد غادر الحركة الشعبية لأن «الداخلية تتحكم»، فاختياره لحزب ارتبط مؤسسه تاريخياً بوزارة الداخلية يجعل السؤال مشروعاً، حتى لو لم يكن الحكم مسبقاً.
وإذا كان يريد أن يقنع المغاربة بأن انتقاله ليس مجرد بحث عن مظلة انتخابية جديدة، فعليه أن يشرح لهم ما الذي تغير؟
هل تغيرت قناعته؟
هل تغير الحزب؟
هل تغيرت علاقة الأحزاب بالإدارة؟
أم أن الذي تغير فقط هو اسم الحزب ورمزه الانتخابي؟
لقد دخل مصطفى لخصم السياسة من باب الرياضة، حاملاً معه صورة البطل الذي لا يستسلم. وهذه الصورة تمنحه رأسمالاً شعبياً لا يتوفر لكثير من السياسيين.
لكن السياسة ليست حلبة ملاكمة، ولا يكفي فيها أن تنتصر في الجولة الأولى.
في السياسة، الذاكرة تحاسب، والتناقضات تُحسب، والاختيارات تُقرأ كما تُقرأ التصريحات.
ولهذا، فإن انتقال لخصم من «السنبلة» إلى «النخلة» لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره خبراً حزبياً عابراً، بل باعتباره اختباراً لمدى انسجام الرجل مع الخطاب الذي قدم به نفسه للرأي العام.
فإذا كان قد قال: لا أريد حزباً تتحكم فيه الداخلية، ثم اختار حزباً أسسه رجل من كبار أطر الداخلية، فالسؤال سيظل قائماً:
هل انتقل مصطفى لخصم من حزب إلى حزب، أم انتقل من «السنبلة» إلى «النخلة» وهو لا يزال واقفاً في الحقل نفسه؟
والأيام وحدها ستجيب.
لكن في انتظار الجواب، يبدو أن العنوان الذي يصلح لهذه الرحلة السياسية ليس «انتقالاً حزبياً» فقط، وإنما:
«لفظته السنبلة.. فتشعبط بالنخلة».
وفي السياسة، كما في الرياضة، قد يتغير القميص، لكن الجمهور يظل يتذكر جيداً اسم الفريق الذي كنت تلعب له، ولماذا غادرته، ولمن سلمت قميصك بعد ذلك.















