تعتبر المأساة الإنسانية التي تفجرت في محيط سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، واحدة من أكبر موجات النزوح الجماعي خلال السنوات الأخيرة، بما حملته من مخاطر وضحايا ودلالات سياسية واجتماعية عميقة على المستوى الوطني، وتداعيات جيوسياسية.
وفي مفارقة صارخة، تزامنت مأساة تدفق حوالي 60 ألفا، من الشباب والأسر والقاصرين من الطبقة الفقيرة الهشة نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا الواقعتين في القارة الأفريقية ضمن المجال الترابي للمغرب والتي يناهز عدد سكانها 84 ألفا فقط، -تزامنت- مع الخطاب الملكي، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، المحتفى بالمنجزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتأتي مشاهد الآلاف وهم يخاطرون بحياتهم بحثا عن منفذ إلى الضفة الأخرى بمثابة ناقوس إنذار للحاكمين بأن إنجازات الدولة لا تنعكس إيجابا على طبقة عريضة من المجتمع، وخاصة الشباب ضحايا انسداد الأفق وتفشي البطالة وغياب الكرامة والحرية وتكافؤ الفرص.
هكذا، فإن مأساة سبتة ومليلية مرآة تعكس الصورة الحقيقية لأزمة اجتماعية وسياسية بنيوية تستدعي مراجعة عميقة للنموذج السياسي وللنموذجين التنموي والاجتماعي برمتهما.
ليس هناك لحد الآن تقرير أو تحقيق رسمي يخبرنا كيف جرى توجيه ستين ألفا من المواطنين والمواطنات ضمنهم أسرا وعديد من القاصرين قطعوا، في نفس التوقيت، مسافات كبيرة مشيا أو بواسطة حافلات وغيرها، نحو سبتة ومليلية المحتلتين.
فهذه عملية تبدو منظمة ومن المؤكد أنها تحتاج لتحقيق جدي مسؤول ومستقل كما طالبت به بعض التنظيمات الحقوقية والسياسية على رأسها تيار اليسار الجديد المتجدد في بيانه الصادر بتاريخ 3 غشت 2026 وترتيب الجزاءات والمسؤوليات السياسية والإدارية كاملة.
فكل ما هناك حول أسباب موجة النزوح الجماعي لسبتة المحتلة هو حديث وزارة الداخلية المغربية، في 2 غشت 2026، على أن “موجات العبور الجماعي الأخيرة نحو سبتة ومليلية تأثرت بمعلومات مضللة متداولة عبر الإنترنت، وبنشاط شبكات تنظم الهجرة غير النظامية” غير أن هناك تنظيمات سياسية وحقوقية وطنية ربطتها بمسببات اجتماعية داخلية …
غير أن قراءة الحدث المأساوي لا تستقيم بمقاربة واحدة، إذ تتقاطع فيه مستويات متعددة تفرض طرح الأسئلة التالية: هل نحن أمام موجة نزوح عفوية أفرزتها أزمة اجتماعية مزمنة، أم أمام عملية موجهة استخدمت فيها هشاشة المفقرين كأداة ضغط؟ ومن استفاد ومن تضرر؟، وكيف تحرك ستون ألف مواطن ومواطنة في اتجاه واحد وفي توقيت واحد دون أن تتحرك الأجهزة المعنية بالفعالية المفترضة؟ ولماذا في اليوم الموالي مباشرة للخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش تحديدا، وهو التوقيت الأشد إضرارا بصورة البلد وبسردية الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي؟ وإلى أي حد يمكن ربط الحدث بسياق جيوسياسي أوسع مثل توتر إسباني مع واشنطن وتل أبيب على خلفية الموقف من الإبادة في غزة، وتقارب إسباني جزائري في ملف الطاقة، ورهانات مضيق جبل طارق بعد أزمتي هرمز وباب المندب؟ وهل يمكن أن يكون الحدث حلقة في محاولة إضعاف الحكومة الإسبانية الحالية لصالح قوى يمينية تتغذى على ملف الهجرة، مع ما يعنيه ذلك من مقامرة عالية المخاطر بالنسبة للمغرب نفسه؟ وأخيرا، هل للحدث امتداد داخلي مرتبط بصراع على السلطة عشية الاستحقاقات التشريعية لسبتمبر 2026؟ وما تداعياته المحتملة على مغاربة العالم وعلى ملف الوحدة الترابية لبلدنا؟
لم يكن الحدث المأساوي طبيعيا أو فجائيا. فله سوابق وسياقات وطنية وإقليمية ودولية وخلفيات وظروف. كما أن للحدث أيضا سياقا جيوسياسيا ولاعبين كبار وفاعل/لين تنفيذيين وقوى حليفة قوية وأخرى خصمة للمغرب. كما ستكون له تداعيات وتبعات استراتيجية وجيوسياسية أوسع بكثير من منطقتي سبتة ومليلية المحتلتين أو مضيق جبل طارق، تماما كما أن للوضع مستفيدين لا شك.
هل ستتكرر وتستمر موجات النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة، أو تتوسع دائرتها، بما يطرح احتمال توظيف الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية و”الفقر” الثقافي/التعليمي لشريحة من المغاربة والمغاربيين وسكان شمال أفريقيا أو حتى من جنوب الصحراء كأداة قابلة للتكرار والتوسع للضغط على إسبانيا وأوروبا وعموما وكافة بلدان البحر الابيض المتوسط؟ أم أن ما حدث يظل حالة استثنائية وعفوية مرشحة للتوقف عند هذا الحد؟ فهل سيستمر مثل هذا النزوح، أو يعاد من جديد أو توسع دائرته في محاولة نقل الناس المفقرين اقتصاديا وثقافيا/تعليميا إلى سبتة واستخدام سكان المغرب الكبير أوشمال أفريقيا والمغاربة المفقرين اقتصاديا كسلاح ضد إسبانيا وأوروبا ككل في نهاية المطاف؟ أم أنه حالة معزولة أو حتى عفوية ستتوقف عند هذا الحد؟
قرارات وشائعات وسياقات سياسية مهدت شروط النزوح الجماعي نحو سبتة
قراران أساسيان استخدما كقاعدة ساهمت في عملية النزوح الجماعي، إضافة للسردية التي روجتها شائعات وسائل التواصل الاجتماعي والتي تفيد أن إسبانيا تسمح لكل من يوجد في سبتة بتسوية وضعه بإسبانيا والانتقال لاحقا إلى أوروبا.
القرار الأول، يتعلق بتسوية إسبانيا لأوضاع مئات الآلاف من المهاجرين المقيمين بأراضيها في يونيو 2026، ذلك في إطار برنامج استثنائي لتسوية أوضاع المهاجرين الموجودين أصلا في البلاد بشكل غير نظامي. وقد تلقت فعلا 1.175 مليون طلبا خلال الفترة التي حددتها لما بين 16 أبريل 2026 و30 يونيو 2026.
الثاني، يتعلق بإصدار المحكمة العليا الإسبانية يوم 29 يونيو 2026 للحكم رقم 814/2026، بشأن تطبيق نظام “الرفض على الحدود” (rechazo en frontera) في مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. قضى هذا الحكم بأن المهاجر الذي يتم اعتراضه في البحر، وهو يحاول الوصول إلى سبتة أو مليلية سباحة، لا يمكن إخضاعه تلقائيا لنظام “الإعادة الفورية” أو “الإعادة الساخنة” المخصص لمن يتم ضبطهم وهم يتجاوزون عناصر الحاجز الحدودي، مثل السياج.
وحري بالإشارة إلى أن القضية بدأت عندما أوقفت السلطات الإسبانية مهاجرا جزائريا في البحر في 14 نونبر 2024، وهو يحاول السباحة إلى سبتة مع شخصين آخرين، ثم سلمته مباشرة إلى السلطات المغربية. طعن المعني بالأمر في ذلك، بمبرر أن تسليمه تم من دون قرار أو إجراء إداري ومن دون تمكينه من الضمانات القانونية، ومنها المساعدة القانونية وإمكانية طلب الحماية الدولية.
هكذا بدأ الأمر كله. غير أنه في الوقت نفسه، هناك مقاطع فيديوهات وصور تظهر شاحنات تنقل مئات الشباب المغاربة نحو الحدود تحت أعين الشرطة المغربية. وبغض النظر عن تلك الصور والفيديوهات، فحين يتحرك 60 ألف مواطن/ة في اتجاه واحد، فإن الأمر يطرح تساؤلات حول عدم تحرك أو تباطؤ الأجهزة الأمنية.
بالمناسبة، تجدر الإشارة، أن إسبانيا تتجه تشريعيا نحو منح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية المغربية خلال فترة الاحتلال الإسباني، مع امتداد بعض أحكام المشروع إلى أبنائهم، وذلك بعد أن أقرت لجنة العدل في مجلس النواب المشروع في 23 يوليو 2026. غير أن القانون لم يدخل حيز التنفيذ بعد، إذ ما زال يتعين عرضه على الجلسة العامة لمجلس النواب ثم مجلس الشيوخ، واللافت أن الأمر لا يميز بين المقيمين في اسبانيا وغيرهم. علما أن المبادرة سبق وأن تقدمت بها مجموعة Sumar، وأقرها مجلس النواب الإسباني في 25 فبراير 2025، بأغلبية 195 صوتا مقابل 116 و33 امتناعا مع رفض حزب الاشتراكي العمالي (PSOE).
وإن لا تبدو الحكومة الإسبانية في مجملها في مواجهة مباشرة مع المشروع، بالرغم من تأييد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس للمبادرة، وإن كان التأثير القانوني للمبادرة جد محدود على المغرب، فإنها تحمل حساسية دبلوماسية كبيرة، وقد تأخذ بعدا سياسيا وإعلاميا مهما يمنح خصوم المغرب مادة للقول إن مدريد لا تزال تتعامل مع ما يسميه الخصوم بـ”الشعب الصحراوي” كطرف منفصل، فإن الأمر غير مريح إن لم نقل مزعج للمغرب.
ويضاف إلى هذه المعطيات عامل جيوسياسي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التحسن المتزايد في العلاقات الإسبانية الجزائرية، ولا سيما في ظل تنامي المصالح المرتبطة بالطاقة والغاز. فقد عادت الجزائر لتكتسب أهمية متزايدة بالنسبة لإسبانيا باعتبارها موردا رئيسيا للطاقة، في وقت تتجه فيه مشاريع نقل الغاز الإقليمي إلى تعزيز موقع الجزائر بوصفها بوابة محتملة للغاز النيجيري نحو أوروبا، بما في ذلك عبر المسار المباشر إلى إسبانيا. ويأتي ذلك في سياق تنافس غير مباشر مع المشروع المغربي لنقل الغاز النيجيري عبر الأراضي المغربية نحو أوروبا، وهو مشروع أطول وأكثر كلفة، ويمر أيضا عبر منطقة الصحراء الغربية المغربية، بما يجعل له أبعادا اقتصادية وسياسية تتجاوز مسألة الطاقة.
وتزداد حساسية هذا التحول بالنسبة للمغرب في ظل التقارب الجزائري الإيطالي أيضا، وتنامي الرهان الأوروبي على تنويع مصادر الغاز ومساراته. ومن ثم، فإن تحسن العلاقات بين مدريد والجزائر ما قد ينظر إليه باعتباره متغيرا قد تكون له انعكاسات على الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية المغربية، خصوصا في ظل التوتر الحاد القائم بين المغرب والجزائر والخلافات المغربية الإسبانية المتكررة. ومن هذه الزاوية، تكتسب المبادرات الإسبانية المتعلقة بالصحراويين المولودين خلال فترة الاحتلال الإسباني، حتى وإن كان أثرها القانوني المباشر محدودا، حساسية سياسية ودبلوماسية أكبر، لأنها تأتي في بيئة إقليمية تتداخل فيها اعتبارات الطاقة والعلاقات مع الجزائر وقضية الوحدة الترابية للمغرب وموقع بلدنا في الحسابات الأوروبية.
كما تجدر الإشارة أيضا إلى حدوث وضع مشابه سنة 2021 لكن على نطاق أصغر، جرى الحديث عن أزيد من 1000 مواطن/ة. تزامن ذلك مع استقبال إسبانيا لرئيس الحكومة الصحراوية المزعومة بمبررات إنسانية طبية، وهي الحكومة المدعمة من طرف دولة الجزائر، ما دفع عديدين آنذاك إلى ربط الحدثين بالقول أنه ردة فعل مغربية على ذلك الاستقبال.
علما أن وزير الخارجية المغربي صرح حينها على قناة LCI يوم الأحد 23 ماي 2021، بما يفيد أن الأزمة في أصلها سياسية وليست مجرد أزمة هجرة معتبرا أن إسبانيا خلقت الأزمة باستقبالها إبراهيم غالي، وكأن أحداث سبتة لسنة 2021 جاءت في سياق هذه الأزمة السياسية، وأن المسؤولية تقع على إسبانيا حسب قوله وأنها “خلقت أزمة بأفعال، وعليها أن تحلها بأفعال أخرى”.
وأن المغرب لا يعتبر نفسه في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي وأن جوهر الخلاف ثنائي بين المغرب وإسبانيا يتعلق بما وصفه بـ”المصالح العليا” للمغرب. كما أن المغرب “ليس شرطيا ولا بوابا لأوروبا” وإن تعاونه في مجال الهجرة قائم على الشراكة وليس على التزام بحماية حدود أوروبية ليست حدوده.
يتبع…














