لم يعد قرار فرض رسوم مالية على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة الدراسة والتكوين داخل مؤسسات التعليم العالي العمومي مجرد إجراء إداري قابل للنقاش التقني، بعدما تحول إلى شرارة احتجاجية تتسع رقعتها يوماً بعد آخر، واضعة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، في مواجهة مباشرة مع جبهة نقابية عريضة تتقاطع فيها تنظيمات من مشارب مختلفة، وتستعد للنزول إلى الشارع أمام البرلمان.
فمن الاتحاد المغربي للشغل إلى الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مروراً بالجامعة الوطنية للتعليم والنقابات التعليمية وتنظيمات شبابية وسياسية، تتوالى الدعوات إلى المشاركة المكثفة في الوقفة الاحتجاجية المقررة يوم الأحد 23 غشت أمام مقر البرلمان بالرباط، احتجاجاً على ما تعتبره هذه التنظيمات محاولة لفرض منطق الأداء المالي على الدراسة والتكوين في الجامعة العمومية.
اللافت أن الغضب لم يعد مقتصراً على الموظفين المعنيين مباشرة بالرسوم، بل بدأ يتحول إلى معركة حول مستقبل التعليم العمومي نفسه. فالنقابات ترفض أن تتحول الجامعة إلى فضاء يؤدي فيه الموظف ثمن رغبته في تطوير مؤهلاته، وتعتبر أن الاستثمار في الكفاءات البشرية جزء من مسؤولية الدولة، وليس امتيازاً يمكن تحويله إلى مصدر للموارد المالية.
وتحاول النقابات وضع الوزير أمام مفارقة سياسية واضحة: كيف يمكن للدولة أن تتحدث عن تطوير الإدارة العمومية، وتحسين جودة الخدمات، والاستثمار في الموارد البشرية، بينما تضع رسوماً مالية أمام موظفين يسعون إلى استكمال دراستهم وتطوير كفاءاتهم؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص إذا أصبح الارتقاء العلمي والمهني مرتبطاً بالقدرة على الأداء؟
الأخطر بالنسبة إلى الوزارة أن القضية بدأت تخرج من نطاق الملف القطاعي إلى المجال السياسي. فمشاركة تنظيمات نقابية متعددة، وانضمام هيئات شبابية وقوى معارضة إلى الاحتجاج، يمنح الملف قدرة على التحول إلى عنوان جامع لغضب اجتماعي أوسع، خصوصاً في مرحلة سياسية تقترب فيها البلاد من الاستحقاقات الانتخابية.
وتراهن الجبهة المحتجة على جعل وقفة البرلمان محطة لإرسال رسالة سياسية قوية إلى الحكومة: الجامعة العمومية ليست مشروعاً تجارياً، والتكوين المستمر ليس امتيازاً، والموظف لا ينبغي أن يدفع ثمن تطوير كفاءاته.
وفي قطاع الصحة تحديداً، يكتسب الملف حساسية إضافية، لأن تطوير التكوين والكفاءات المهنية يرتبط مباشرة بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ولذلك ترى التنظيمات المحتجة أن تحميل موظفي الصحة أعباء مالية إضافية من أجل متابعة الدراسة والتكوين قد يضرب في العمق سياسة الاستثمار في الموارد البشرية التي يفترض أن تكون إحدى ركائز إصلاح القطاع.
وبينما تراهن الوزارة على إصلاح منظومة التعليم العالي وإعادة تنظيم آليات التمويل والتكوين، فإن النقابات تقرأ الخطوة باعتبارها مؤشراً على مسار أوسع نحو تقليص مجانية التعليم العمومي وفتح الباب أمام توسيع دائرة الأداءات المالية.
وهنا تكمن خطورة المعركة: فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول رسوم محددة، وإنما أصبحت مواجهة حول من يتحمل كلفة الجامعة العمومية، ومن يملك الحق في الولوج إليها، وما إذا كان الإصلاح سيُموّل من الميزانية العمومية أم من جيوب الموظفين والأسر.
ومع اقتراب موعد الوقفة الاحتجاجية، يجد الميداوي نفسه أمام اختبار سياسي حقيقي؛ فكلما اتسعت الجبهة النقابية، ازدادت صعوبة التعامل مع الملف باعتباره احتجاجاً قطاعياً محدوداً. وقد تتحول الوقفة أمام البرلمان إلى بداية لمسار تصعيدي أكبر، خصوصاً إذا لم تفتح الوزارة والحكومة باب الحوار مع النقابات والفاعلين المعنيين.
المعركة إذن لم تعد معركة رسوم فقط؛ إنها معركة على مستقبل الجامعة العمومية، وقد تتحول إلى أول اختبار اجتماعي وسياسي ثقيل للميداوي، وربما إلى واحدة من أكثر ملفات الحكومة إحراجاً قبيل الانتخابات.















