داخل قاعة المؤتمر التشاوري للنقابة الوطنية للصحافة المغربية بالرباط، يقف عبد الكبير أخشيشين بثبات أمام عشرات المهنيين. ببدلته الرسمية الهادئة، ونظاراته التي تدقق في تفاصيل الأوراق الممسوكة بين يديه، لا يعتمد أخشيشين على نبرة حادة أو خطاب منفعل، بل يفضل الهدوء والمنهجية؛ أسلوب اختزل جانبا أصيلا من شخصيته النقابية التي ترافع بها دائما عن قضايا الممارسة الصحفية.
غير أن هذه الشخصية لم تتشكل داخل العمل النقابي وحده، بل بدأت من مسار أكاديمي في الأدب بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث كان يتابع دراسته لنيل دبلوم الدراسات المعمقة، قبل أن يلج عالم الصحافة عبر اجتياز امتحان مهني. ويرى أخشيشين أن تكوينه الجامعي منحه أدوات التحليل والكتابة، بينما صقلت الممارسة اليومية في غرف التحرير تلك الأدوات وربطتها بقضايا المجتمع.
كانت الانطلاقة المهنية من جريدة “الأحداث المغربية”، وهي المحطة المفصلية التي ساهمت في بلورة أسلوبه التحريري القائم على الجرأة في الشكل والمضمون، وتوظيف مدارس الكتابة المتنوعة بين الهرم المقلوب والقصة الخبرية ذات البعد الإنساني. وهناك اشتغل في قسم المجتمع وتولى رئاسته منجزا تحقيقات وروبورتاجات حاسمة ساهم بعضها في إعفاء ونقل مسؤولين خدمة للمصلحة العامة، قبل أن ينتقل إلى القسم السياسي لمواكبة الشأنين الوطني والدولي. هذا التنوع في التجربة وسع آفاقه ورسخ لديه قناعة بأن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل مسؤولية مجتمعية تقوم على البحث عن الحقيقة وإثارة النقاش حول القضايا التي تهم المواطنين.
وقد استمد هذه الرؤية من إلهام كبار المدارس والأسماء؛ بدءا من كتابات محمد باهي في جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، مرورا بتجربة إبراهيم عيسى، وصولا إلى الرصانة التحليلية للمدرسة الصحفية الفرنسية من خلال صحيفتي “لوموند” و”ليبيراسيون”. ويرى أخشيشين أن من أكثر اللحظات متعة في العمل الصحفي هي تحقيق سبق صحفي يمنح المؤسسة مصداقيتها، أو إنجاز روبورتاج وتحقيق يسلط الضوء على قضية مجتمعية ويفتح النقاش حولها.
تدرج أخشيشين في المسؤوليات التنظيمية بهدوء؛ من رئاسة المجلس الوطني للنقابة، إلى قيادة اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني التاسع سنة 2023، وصولا إلى انتخابه رئيسا للنقابة الوطنية للصحافة المغربية في دجنبر من السنة نفسها. هذا المسار جعله في صلب الملفات المرتبطة بحرية الصحافة، وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين، وتعزيز التنظيم الذاتي للمهنة.
ويتولى أخشيشين رئاسة النقابة في مرحلة يشهد فيها قطاع الإعلام تحولات متسارعة بفعل الرقمنة واكتياح أدوات الذكاء الاصطناعي. ويرى أن التحديات لم تعد تقتصر على حرية الصحافة، بل تشمل أيضا الحفاظ على مصداقية الخبر وتعزيز أخلاقيات الممارسة. ورغم مساره الحافل، يرى أخشيشين أن أبرز التحديات تمثلت دائما في غياب بيئة مهنية داعمة توفر الإمكانات للصحافة الجادة التي تحتاج إلى الوقت والموارد والدعم المؤسسي.
وقد عبر عن هذا التوجه خلال المؤتمر التشاوري للنقابة، حين أكد أن مهنة الصحافة تمر بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحديات الرقمية مع الإكراهات الاجتماعية، مشددا على أن استقلالية القرار النقابي تظل خطا أحمر لا يقبل المساومة.
بين هدوء الأكاديمي، وخبرة الصحفي الميداني، ومسؤولية الفاعل النقابي، يواصل عبد الكبير أخشيشين الدفاع عن صحافة يعتبرها سلطة مجتمعية لا يكتمل دورها إلا بخدمة الحقيقة، وحماية حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة، وترسيخ مهنة قادرة على مواكبة التحولات دون التفريط في استقلاليتها وأخلاقياتها.















