تشارف الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 على الانطلاق، تزامنا مع سياقات استثنائية يواجه فيها المغرب تحديات اجتماعية واقتصادية وسيادية كبرى، مما يحتم ضرورة إحسان اختيار الفاعلين السياسيين.
كما يمثل أيضا اختبارا حقيقيا لقدرتهم على التفاعل مع هذه التحولات، وتأكيد أهليتهم لتدبير الاستحقاقات الاستراتيجية لمغرب 2030، كالرهان المغربي على مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، كذلك التنظيم المشترك لكأس العالم 2030، وإرساء ركائز الدولة الاجتماعية، خصوصا منها التشغيل، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، إلى جانب ضمان الأمن الغذائي والطاقي.
ومع اقتراب الاقتراع، تستعد الأحزاب اليوم أكثر من أي وقت مضى، فهي أمام اختبار حقيقي لا يقتصر على كسب الأصوات، بل يمتد إلى استعادة ثقة المواطنين بها، خاصة منهم الشباب، بالنظر إلى ما يحملونه من تطلعات جديدة، وقدرة على التأثير في الشأن السياسي باعتبارهم قوة انتخابية لا يستهان بها.
يهدف هذا المقال إلى تحليل التغيير الذي عرفته أولويات الناخب المغربي في الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، وذلك من خلال قراءة متقاطعة للسياقات السياسية والاجتماعية المؤثرة في الاقتراع، واستعراض رؤى الفاعلين السياسيين والباحثين، إلى جانب استحضار آراء عدد من الناخبين بهدف فهم العوامل التي قد تؤثر في اختياراتهم السياسية.
انتخابات 2026: سياق سياسي، اجتماعي، واقتصادي مختلف
تأتي الانتخابات التشريعية لسنة 2026 في واقع مختلف عن سابقاتها، بالنظر إلى التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، فقد أفرز تداخل الشؤون الخارجية والداخلية للمملكة مناخا سياسيا خاصا يفرض إعادة ترتيب أولويات الدولة وحسابات الفاعلين الحزبيين وفق مسارات جديدة للفعل العمومي. ويمكن تكثيف هذه المسارات في أربعة رهانات كبرى حسب الدراسة التي قام بها معهد الجزيرة للأبحاث، أولها التنزيل المؤسساتي للحكم الذاتي بالجهات الجنوبية، حيث يفرض هذا الرهان انبثاق نخب سياسية واعية بالشأن الجيوستراتيجي لهذا التحول، وصولا إلى وصف الحكومة المقبلة بـ”حكومة الحكم الذاتي”.
ثانيا، رهان الكلفة الاجتماعية لاستكمال البنية التحتية قبل مونديال 2030، هذا ما سيلزم الحكومة المنبثقة عن اقتراع شتنبر 2026 بإنجاح التنظيم المشترك مع إسبانيا والبرتغال، وسيفرض وتيرة إنجاز فائقة السرعة للبنيات الكروية وما يرتبط بها من تجهيزات، والأهم استغلال مونديال 2030 كفرصة حقيقية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
ثالثا، فاعلية واستدامة نموذج الدولة الاجتماعية، وهو التحدي الأبرز لاختبار مدى نجاعة المؤسسات والسياسات العامة في المغرب، فمن الجانب المؤسساتي، تمكنت حكومة أخنوش من توسيع نطاق المسجلين بمنظومة التغطية الصحية ليشمل 90% من مجموع المواطنين المغاربة، والتأسيس لنظام الدعم الاجتماعي المباشر، بلغت قيمة المساعدات المالية المقدمة فيه لما يناهز 20 مليون شخص ينتمون إلى حوالي 5.3 مليون أسرة، إلا أن الواقع لديه رواية أخرى، فأغلب هذه المكتسبات لا تزال محدودة وغير شاملة، خاصة منها الرعاية الصحية، فضلا عن الفتور الذي يعرفه استكمال الأوراش الاجتماعية الأخرى، كبرنامج التعويض عن فقدان الشغل، وتوسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد.
وأخيرا، معضلة الأمن الغذائي والطاقي، فقد شهدت حكومة أخنوش ارتفاعا غير مسبوق للأسعار في المواد الغذائية والمحروقات على حد سواء، بغض النظر عن الأزمات العالمية المرتبطة بالاستيراد، إضافة إلى تدافع الأغلبية الحكومية نحو استراتيجية الجيل الأخضر لضمان الأمن الغذائي، وسط اتهامات من المعارضة التي تعتبرها خدمة للزراعة التصديرية على حساب السوق الوطنية، فضلا عما يفرزه ملف الدعم الفلاحي وملف استيراد المواشي من جدل سياسي.
ولا يقتصر اختلاف المشهد على طبيعة الرهانات فقط، بل يمتد إلى طبيعة الهيئة الناخبة، فوفق آخر المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية، بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية أكثر من 16.8 مليون ناخب وناخبة، مع استمرار ضعف تمثيل فئة الشباب، إذ لا تمثل الفئة العمرية بين 18 سنة و24 سنة سوى 3% من إجمالي المسجلين، بما يجعل عملية استعادة الثقة في العملية الانتخابية أحد أبرز رهانات انتخابات 2026.
الناخب المغربي: أولويات ثابتة في ظل متغيرات جديدة
بينما فرضت التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية نفسها في الساحة الانتخابية، ينبثق سؤال محوري حول ما إذا كان هذا الواقع المتغير أعاد تشكيل أولويات الناخب المغربي، أم أنه غير فقط ظروف إدلاء هذا الناخب بصوته.
وفي تصريح خصت به جريدة لوبوكلاج، يرى الدكتور مصطفى صفحي، أستاذ باحث في القانون العام والعلوم السياسية، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن أولويات الناخب المغربي لم يطرأ عليها أي تغيير، فهي تبقى أولويات اجتماعية مرتبطة أساسا بمطالب اجتماعية كالصحة والتعليم والشغل… الاختلاف الحقيقي كان يكمن في الظرفية سنة 2021، من خلال جائحة كورونا وتبعياتها الاقتصادية، فيما تعرف 2026 توترات جيوسياسية بالشرق الأوسط ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي من خلال اضطراب سلاسل التوريد العالمية، إذن مطالب وانتظارات الناخب الوطني لم تتغير، ورأيناها من خلال مطالب حركة “GenZ212” ما تغير هو الظرفية.
وأضاف صفحي أن هذا الواقع بذاته، رغم أنه لم يغير أولويات الناخب المغربي، فإنه أفرز تحديا يتعلق بالسلوك الانتخابي، يتمثل في إقناع الأغلبية الصامتة بالتصويت في الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو بدوره يحمل في طياته تحديا آخر يتعلق بالهيكلة أو التركيبة الناخبة، يتجسد في عزوف فئة الشباب عن التصويت، الذين بات جزء منهم يشكك في جدوى المشاركة السياسية، في ظل تشابه البرامج الانتخابية وغياب تمايز أيديولوجي بين الأحزاب، مما يولد انطباعا بأن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، بالإضافة إلى إشكالية التواصل السياسي بين الأحزاب وفئة الشباب، مما يولد إحساسا بأن الخطاب السياسي الحزبي أصبح متقادما ولا يخاطب التطلعات الحقيقية لهذه الفئة.
وهذه تحديات تواجه الدولة والأحزاب السياسية على حد سواء، وتخطيها رهين بتكثيف الجهود لتخليق المشهد السياسي.
الناخبون يتحدثون… بين المشاركة والعزوف
لم يقتصر الحديث عن العزوف الانتخابي على التحليلات الأكاديمية، بل برز أيضا خلال الجولة الميدانية التي أجرتها جريدة لوبوكلاج. فقد أظهرت التصريحات التي جمعتها من مجموعة من المواطنين أن نسبة مهمة منهم لا تعتزم المشاركة في انتخابات 2026، بل إن بعضهم أكد أنه غير مسجل أصلا في اللوائح الانتخابية، في مقابل عدد محدود من المواطنين الذين عبروا عن استعدادهم للإدلاء بصوتهم.
وقد صرح بلال بن شامة، مواطن مغربي شاب، حيث قال: “أنا لا أنوي المشاركة في الانتخابات أبدا بسبب أنني فقدت الثقة الكاملة في الفاعلين السياسيين، وأرى أن صوتي لن يحدث تغييرا، فما الجدوى من التصويت إذن؟”. وأضاف أن أهم المعايير التي من شأنها تغيير رأيه في المشاركة بالانتخابات، فهي ضمان كرامة المواطن واستدامتها، وتلبية احتياجاته الاجتماعية، مع لمس هذا التغيير ونقله من الخطاب إلى الواقع المعاش.
ويعكس هذا التصريح حالة من تراجع الثقة في الفاعلين السياسيين، وأن قرار العزوف لا يرتبط بعدم الاهتمام بقضايا الشأن العام، بقدر ما يعكس شعورا بعدم جدوى المشاركة، في ظل وجود اعتقاد راسخ لدى المواطنين بأن التصويت لن يفضي إلى تغيير ملموس.
غير أن هذا الرأي لا يعكس موقف جميع المواطنين الذين استطلعت الجريدة آراءهم، فقد أكدت المواطنة مروى باخري أنها مسجلة في اللوائح الانتخابية، وستشارك في الاستحقاقات المقبلة، معتبرة أن التصويت يظل الوسيلة الديمقراطية الوحيدة للتأثير في الشأن العام. وأوضحت أن ثقتها لن تمنح لأي حزب لمجرد الشعارات أو الوعود الكاذبة، بل ستبنى على مصداقية برامجه وقدرته على تنفيذ التزاماته.
ويبرز هذا الموقف أن ثقة الناخب لم تعد تبنى على الخطاب السياسي فحسب، بل على مدى مصداقية برنامج الحزب وقابلية تنفيذه، خاصة في القضايا الاجتماعية.
وكجميع البلدان، وفي الديمقراطيات الحديثة، ومع اقتراب الانتخابات، يعرف المشهد السياسي المغربي حركية ونشاطا مكثفا لجميع ومختلف التلوينات السياسية المشكلة للمشهد السياسي، سواء تلك المشكلة للأغلبية الحكومية من خلال الخروج للدفاع عن حصيلة تدبيرها طيلة خمس سنوات، أو تلك المشكلة للمعارضة من خلال انتقاد الحصيلة الحكومية، والتركيز على النواقص والعيوب التي سادت التدبير الحكومي للأغلبية، واقتراح البدائل في محاولة استقطاب الناخبين.
وبين هذا وذاك، هناك الواقع الذي يفرض تحديات كبيرة ورهانات مستقبلية تنتظر الأحزاب المتصدرة للمشهد السياسي والمرشحة لقيادة الحكومة المقبلة. كل هذه الأمور تجعل الاستحقاقات المقبلة لا تتعلق فقط بفرز أغلبية ستتولى تدبير شؤون المواطنين، وإنما أيضا ترتبط بأجندة وطنية بالغة الأهمية، على اعتبار أن الفترة المقبلة ستكون مفصلية للقضية الوطنية، مما يجعل الحكومة المقبلة حكومة تنزيل مقترح الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، بالإضافة إلى تحدي التنظيم الثلاثي لكأس العالم 2030.
ليبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الأحزاب السياسية في كسب ثقة الناخبين من جديد، خاصة منهم فئة الشباب، وإقناعهم بأنهم يحدثون فرقا؟ أم أن انتخابات 2026 ستكرس نموذج الاستحقاقات التشريعية السابقة، وبالتالي توسيع العزوف السياسي؟ ربما لن تحسم الحملات الانتخابية الإجابة، فهي متروكة إلى أن يحين موعد التصويت.















