في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف الثالث من ماي كل عام، أصدرت منظمات دولية ووطنية تقارير ترصد وضع الإعلام وحرية التعبير في المغرب، لتكشف عن واقع متناقض بين تقدم شكلي في التصنيفات الدولية واستمرار الانتهاكات في الميدان.
فقد ارتقى المغرب في تصنيف منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2025 بتسع مراتب، ليستقر في المرتبة 120 عالمياً، متفوقاً على دول الجوار كـالجزائر وتونس. ورغم ما يبدو تقدماً على الورق، إلا أن تقارير حقوقية وطنية ودولية، من بينها تقرير “مركز عدالة لحقوق الإنسان”، تؤكد أن هذا التحسن يبقى سطحياً ولا يعكس الواقع المعاش داخل غرف التحرير وساحات المحاكم.
لا تزال القوانين الجنائية، مثل المادة 265 المتعلقة بـ”إهانة المؤسسات”، والمادة 126 التي تُجرّم “نشر الأخبار الكاذبة”، تُستخدم كأدوات لملاحقة الصحفيين والنشطاء، رغم إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قانون الصحافة والنشر لسنة 2016.
وقد وثق تق ير مركز عدالة لحقوق الإنسان حالات ملاحقة واعتقال طالت عدداً من الصحفيين البارزين، من ضمنهم حميد المهداوي، سليمان الريسوني، عمر الراضي، لبنى الفلاح، وغيرهم، بتهم تتراوح بين القذف، ونشر أخبار غير صحيحة، وصولاً إلى قضايا ذات طابع سياسي.
لا تقتصر القيود على الجوانب القانونية، بل تشمل أيضاً الرقابة الذاتية التي يمارسها الصحفيون تحت وطأة التهديدات، والملاحقات، وشحّ الموارد المالية. ويتحدث التقرير عن توزيع غير عادل للإعلانات الحكومية، يميّز المؤسسات الإعلامية القريبة من السلطة، ويقصي المنابر المستقلة، مما يضرب استقلالية الإعلام في العمق.
رصد التقرير الحقوقي لمركز عدالة لحقوق الإنسان دوراً إيجابياً لعبته منظمات مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والنقابة الوطنية للصحافة المغربية، والائتلاف المغربي لحقوق الإنسان، في توثيق الانتهاكات والدفاع عن الصحفيين، غير أن تأثيرها لا يزال محدوداً بسبب غياب إرادة سياسية حقيقية للإصلاح.
يشير التقرير إلى أن الإعلام في المغرب لا يؤدي دوره كاملاً كوسيط في الحياة السياسية. فقد تم التضييق على التغطية الانتخابية قبيل الاستعدادات للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، كما استُخدم الإعلام أحياناً كأداة للدعاية بدلاً من المراقبة والنقد.
رغم إصدار عفو ملكي عن بعض الصحفيين، وهي خطوة لاقت ترحيباً نسبياً، إلا أن التقرير يرى فيها مجرد إجراء رمزي لم يصحبه إصلاح هيكلي في الإطار القانوني والمؤسساتي.
اختتم التقرير الحقوقي لمركز عدالة بتوصيات من بينها:
– إلغاء المواد القانونية التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير.
– ضمان محاكمات عادلة وتعزيز استقلالية القضاء.
– دعم الإعلام المستقل وتوفير بيئة قانونية واقتصادية آمنة له.
– فتح حوار وطني شامل بمشاركة الدولة، الصحفيين، المجتمع المدني، والنقابات.
رغم التقدم النسبي في المؤشرات الدولية، فإن الواقع الميداني لحرية الصحافة في المغرب سنة 2025 يظل مقلقاً.
فالملاحقات القضائية، والرقابة الاقتصادية، وتضييق حرية التعبير، كلها ممارسات تشكل عائقاً أمام أي تطور ديمقراطي حقيقي. إن حرية الصحافة ليست ترفاً، بل ضرورة لضمان الشفافية والمحاسبة، وهي ركيزة لا بد أن تُحمى بالتشريعات والمؤسسات، لا أن تُختزل في الإحصائيات والتصنيفات.















