لم تكن مأساة أحداث سبتة وحدها هي ما يثير التساؤلات، بل ذلك الفراغ المحيط بها.
فمن الصعب على أي منطق سليم أن يستوعب حجم الفاجعة التي شهدتها البلاد وما يقابلها من صمت رسمي مريب،
كما يصعب فهم الكيفية التي حاول بها وفق ما تداولته تقارير إعلامية، ما لا يقل عن خمسين ألف مواطن مغربي الوصول إلى سبتة المحتلة في أقل من اثنتين وسبعين ساعة فقط.
ويطرح ذلك جملة من التساؤلات المشروعة: كيف أمكن أن يحدث كل ذلك بالتزامن مع احتفالات عيد العرش دون صدور توضيح رسمي يفسر للرأي العام ما جرى؟
ما معنى هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا لم يُعلن على الأقل، عن فتح تحقيق أو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وهو الحد الأدنى الذي يقتضيه حجم الفاجعة؟
وتتوالى علامات الاستفهام بخصوص ظروف المحيطة بفتح معبر سبتة، ومن يقف خلف دفع هذا العدد الكبير من الشباب إلى القفز في البحر ؟
وهل لعبت شبكات تهريب المهاجرين دورًا في ما حدث، أم أن هناك عوامل أخرى تخضع لحسابات إقليمية لم تُكشف بعد؟ ثم من المستفيد، داخليا أو خارجيا من هذه التطورات؟
ومع ارتفاع حصيلة الضحايا، واستمرار الحديث عن مفقودين، تزداد الحاجة إلى خطاب رسمي سريع و واضح يبدد الغموض ويضع الوقائع في سياقها. غير أن غياب التواصل يدفع المواطن، بل وحتى الصحفي، إلى البحث عن المعلومة في وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأجنبية، بدل أن يجدها لدى المؤسسات الرسمية أو عبر الإعلام العمومي.
وفي المقابل، شهدت الساحة الخلفية تصريحات وتحركات من مسؤولين أجانب تناولت تداعيات ما جرى، مقابل غياب رواية رسمية مغربية شاملة تشرح الملابسات وتجيب عن الأسئلة المتداولة.
في مثل هذه الأزمات، يعد الصمت جزء من الأزمة نفسها، لأنه يعمق حجم فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
بل كيف يمكن إعادة بناء هذه الثقة بعد هذه الفاجعة ، خاصة ونحن على أعتاب استحقاق تشريعي لا تفصلنا عنه سوى أيام معدودات؟
إن الصمت، حتى وإن كان في بدايته خيارا استراتيجيا تفرضه اعتبارات إدارة الأزمات أو متطلبات استكمال المعطيات، لا ينبغي أن يتحول إلى فراغ تواصلي مؤسساتي يفسح المجال للشائعات والتأويلات المتضاربة. فكلما طال أمده أصبح في نظر الرأي العام إخفاقا في إدارة الأزمة أكثر منه أداة لإدارتها.
واليوم، وبعد انقضاء ثلاثة أيام على هذه المأساة، لم يعد السؤال يتعلق فقط بسبب هذا الصمت الرسمي المريب ، بل أيضا بالكلفة الإنسانية والسياسية على المدى البعيد ، فمهما جاء الكلام متأخرا لن يمحو حقيقة أن أسرا قفزت في البحر رفقة أطفالها، و عشرات الأسر فقدت أبناءها، وأن البحر لفظ جثثا تختزل سنوات من فشل السياسات العامة ومشاريع التنمية في توفير الأمل لفئات واسعة من الشباب
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن ما لا يقل عن 100 شخص لقوا حتفهم، فيما لا يزال آخرون في عداد المفقودين، بعد أن ابتلعهم البحر أو سقطوا ضحايا التدافع والفوضى.
وأمام حجم هذه الفاجعة، لا يكفي انتظار الزمن حتى يمسح آثارها و التعامل مع الأمر و كأن المغاربة لديهم ذاكرة السمك! بل تقتضي المسؤولية الأخلاقية والسياسية مصارحة الرأي العام الوطني بالحقيقة كاملة، وفتح تحقيق شفاف يحدد المسؤوليات ويجيب عن الأسئلة التي ما تزال معلقة.















