في مساء يوم خريفي من أكتوبر 2022، أُسدل الستار على حياة شاب مغربي في مقتبل العمر داخل مخفر أمني بمدينة ابن جرير، في واقعة صادمة ما زالت تفاصيلها تثير الغضب، وتطرح أسئلة حارقة حول ممارسة التعذيب، ومظاهر الإفلات من العقاب، ومحدودية العدالة في التعامل مع قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

الضحية، ياسين شبلي، شاب من مواليد 1994، رياضي ومتفوق في تخصص الكهرباء الصناعية، نشأ في حي الزاوية الشعبي، وكان معروفاً بين جيرانه بدماثة أخلاقه وهدوئه. إلا أن خروجه مساء 5 أكتوبر 2022، بدراجته النارية، دون أوراقها، سينتهي بجثة مشوهة داخل ثلاجة مستودع الأموات.
توقيف تعسفي… وتعذيب قاتل
كان ياسين جالساً بهدوء في حديقة عمومية رفقة فتاة، قبل أن تفاجئه دورية أمنية تطلب منه مرافقتها. كاميرا صدرية لأحد رجال الشرطة – كما ظهر لاحقاً في إحدى الجلسات – وثقت تقييده واقتياده بعنف إلى مخفر الشرطة الإقليمي. هناك، في ما وصف بـ”غرفة الأمان”، تعرض لتعذيب شديد، بدءاً من تقييده لساعات طويلة، مروراً بركله وصفعه، وصولاً إلى تصليبه على شكل “T” و”Y”، قبل أن ينهار ويفارق الحياة.
فيما لم يتم إخبار أسرته بأي شيء، تفاجأت العائلة لاحقاً بوصول الجثمان إلى مستشفى المدينة، ميتاً. وقد عاينت الأسرة آثار التعذيب على جسده: كدمات، كسور، انتفاخات، نزيف من الأنف والأذنين، وخلع في الكتف، بالإضافة إلى وجود نابه مكسور فوق طاولة مستودع الأموات.
مسار قضائي مرتبك ومحاكمة سرية
رغم توثيق العائلة للفيديوهات والصور، ورغم احتجاجات استمرت لأيام، لم تُواكب القضية بمعالجة قضائية تليق بخطورتها، حسب وصف هيئة الدفاع. فالتحقيقات أُسندت للفرقة الوطنية التابعة لنفس جهاز الشرطة، والجلسات عُقدت سرًّا، وتم منع العائلة والدفاع من الحصول على تسجيلات المراقبة أو عرضها كاملة.
النيابة العامة، من جانبها، أصدرت بلاغاً تحدث عن وفاة ناتجة عن “سقوطات بسبب حالة سكر”، وهو ما أثار موجة استهجان، خاصة أن المسافة بين المخفر والمستشفى لا تتعدى دقيقتين.
أحكام دون مستوى الجريمة
أصدرت محكمة مراكش أحكاماً متفاوتة في حق عناصر الشرطة المتابعين، أبرزها:
الضابط أيوب العصمي: 5 سنوات سجناً نافذاً.
عصام الكرش: 3 سنوات ونصف.
محمد الراجي: سنتان ونصف.
تبرئة الحارس محمد أحديج.
وقد قضت المحكمة بتعويض مالي لعائلة الضحية يقدر بـ200 ألف درهم، في حين لم يُقبل مطلب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالانتصاب طرفاً مدنياً.
العائلة… ضحية ثانية؟
لم تتوقف المأساة عند وفاة ياسين، بل طالت عائلته أيضاً، التي وجدت نفسها مستهدفة بمتابعات قضائية على خلفية احتجاجاتها. وقد صدرت أحكام بالسجن الموقوف والغرامات في حق الأم والإخوة، بتهم تتعلق بإهانة موظفين عموميين وتنظيم مظاهرات غير مرخصة-
صرخة من أجل الحقيقة
تؤكد أسرة ياسين شبلي أنها لن تتنازل عن مطلبها الأساسي: كشف الحقيقة كاملة، وعرض التسجيلات الكاملة لجلسات التعذيب، وتكييف القضية على أنها “جناية قتل تحت التعذيب” وليس مجرد “جنحة عنف تسبب في الوفاة نتيجة الإهمال”
كما تطالب العائلة بمحاسبة كل من شارك أو تستر على هذه الجريمة، انسجاماً مع التزامات المغرب الحقوقية والدولية، وخاصة تلك المنصوص عليها في دستور 2011، التي تضع الاتفاقيات الدولية فوق القوانين الوطنية.
محاكمة مشكوك في عدالتها
تُسجل العائلة وهيئة دفاعها مجموعة من الخروقات التي مست مبدأ المحاكمة العادلة، من بينها:
السرية المفرطة في الجلسات.
عدم تمكين الدفاع من الأدلة الكاملة.
التعامل الانتقائي مع الشهود.
تواطؤ محتمل في إخفاء أدلة الجريمة.
إقصاء مطالب إدخال المديرية العامة للأمن الوطني كطرف مسؤول
في الختام…
قضية ياسين شبلي ليست مجرد قضية تعذيب، بل اختبار للدولة في مدى احترامها لحقوق الإنسان والعدالة والمحاسبة. هي أيضًا مرآة تعكس حجم الهوة بين الخطاب الحقوقي الرسمي والممارسة الميدانية. في النهاية، ما تطالب به أسرة ياسين ليس أكثر من الحقيقة… والعدالة.















