بسم الله الرحمن الرحيم،
أيها المواطنون الصالحون، أو هكذا نأمل… معكم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، الوزير الذي لم تغيّره الأيام، ولا الحكومات، ولا الزلازل. ربع قرن من “الاستقرار الروحي” وأنا على رأس وزارة الأوقاف، أو كما أحب أن أسميها: *وزارة تفضل*… لأننا نفضل أن يبقى كل شيء كما هو.
أنا لا أدير وزارة، بل أرعى متحفاً حياً للدين الرسمي: خطب موحدة، دعاء خاشع، وسلام على من اتبع التعميم.
ديننا بخير، فقط لا تزعجوه بالأسئلة. أما الأوقاف، فهي فعلاً موقوفة: على الاجتهاد، وعلى الرقابة، وحتى على من يفكر في لمسها.
في وزارتنا، نحب التدين الذي لا يُحرج، ونُشجع الخطب التي تنعس المصلين بلطف.
وإذا تساءل أحد عن أموال الأحباس، قلنا له: اتقِ الله، فالسؤال في الدين فتنة!
نحن في وزارة الأوقاف نؤمن بأن الدين يجب أن يُقدَّم دافئاً، بلا حرارة زائدة.
نحب الإمام الذي يبتسم للوالي، ويقرأ “قل هو الله أحد” في الخطبة، ثلاث مرات للبركة.
أما الإمام الذي يحاول التفكير أو يتحدث عن قضايا الناس، فنرسله فوراً لـ”دورة تكوينية في الصمت والتواضع”.
وأما أحباس الأمة، فهي محفوظة بعناية، تماماً مثل مفاتيحها: لا يعرف أين هي إلا الله وبعض المسؤولين المقربين جداً.
تُدرّ مداخيل خيالية، لكنها تُصرف بطريقة تجعلها تختفي ببركة الله قبل نهاية السنة. الأهم أن الجميع راضٍ… أو لا يجرؤ على أن لا يكون كذلك.
نحن لا نُغير الأئمة بسهولة، بل نُغيّر فقط من يظن نفسه فوق الخطة الموضوعة منذ قرون: لا تخرج عن النص، لا ترفع الصوت، وادعُ للوزير ثم أغلق المصحف.
في وزارة الأوقاف، نؤمن بأن الحداثة شيء جميل… بشرط أن لا تدخل المسجد. التكنولوجيا مرحب بها ما دامت تُستخدم لطباعة خطبة الجمعة نفسها كل أسبوع، ولإرسال تقارير دقيقة عن من تجرأ وغيّر جملةً من نصها.
أما التجديد الديني؟ فذلك خط أحمر، لأن الدين عندنا مثل مبنى أثري: يُمنع ترميمه حتى لا يُمسّ أصله، ويُمنع الاقتراب منه حتى لا ينهار.
نراقب الأئمة أكثر مما نراقب الأسواق، ونخشى من خطبة مرتجلة أكثر مما نخشى من غلاء الأسعار. الإمام المثالي في نظرنا هو من يحفظ الخطبة كأنها نشرة جوية، يُلقيها بصوت هادئ، دون أن يُثير الرياح أو يُنذر بالمطر.
أما “الشؤون الإسلامية”، فهي اسم أنيق لملف كبير… فارغ. نحب أن يظهر كل شيء منظماً: زي موحّد، لغة موحّدة، ووجوه متشابهة.
المهم ألا يظهر أحدهم وكأنه جاء ليُفكّر، أو ليقول للمصلين شيئاً لم يُكتب له مسبقاً من الطابق الخامس.
في وزارة الأوقاف، نحن لا نُحب المفاجآت. نُفضّل الدعاء المُكرر، والخطبة المنسوخة، وحتى الوعّاظ بنبرة واحدة كأنهم جميعاً خُرجوا من نفس القالب، أو من نفس الطابعة. نؤمن أن التدين يجب أن يكون صامتاً، مرتباً، وبلون رمادي لا يزعج أحداً.
أما عندما يسألنا أحد عن إصلاح الشأن الديني، نبتسم ونقول: “نحن نشتغل في العمق”… عمق لا يراه أحد، ولا يصل إليه أحد، حتى نحن! نكتب الاستراتيجيات بخط جميل، ثم نحبسها في الأدراج كما نحبس الأحباس.
نوزع الميزانيات على الورق، ونوزع السكينة في التصريحات، ثم ننام على بركة الله.
تدين بلا توتر، جمعة بلا توتر، يوميات بلا توتر… فالتغيير يحتاج نية، وتلك لا توجد إلا عند أستاذنا وليد الركراكي. أما نحن، فنشتغل بالدعاء… والبقية على الله.
أيها المواطنون الكرام، أنتم بخير… ما دمتم لا تسألون كثيراً. لا تقلقوا على الشأن الديني، فهو في أيدٍ أمينة، تحفظه بالبروتوكول، وتحرص عليه كما نحرص على مفاتيح الخزائن القديمة: لا تُفتح، لكن نحلف أنها موجودة.
لا تنتظروا منّا تغييراً مفاجئاً، فنحن نحب الدين وهو نائم، ونخاف عليه من الاستيقاظ. استمروا في الصلاة، وفي الدعاء لنا، وخصوصاً بالدعاء ألا تُمس كراسي الوزارة، فهي أيضاً من أحباس الأمة.
ختاماً، نقول لكم بكل طمأنينة: تدينكم في حفظ الله… وإشرافنا. فتوكلوا، توضأوا، وابقوا بعيدين عن التفاصيل. والسلام على من التزم بالنص ولم يرفع صوته.















