رمضان، في عمقه، تجربة سرية بين الإنسان وربه. هو فعل خفي في جوهره، لأن الامتناع الحقيقي لا يرى، والنية لا تقاس، والإخلاص لا يستعرض. ومع ذلك، يتحول هذا الشهر عند بعضنا إلى موسم علني للمراقبة الجماعية، كأن المجتمع ينصب نفسه هيئة تفتيش أخلاقي تلاحق التفاصيل الصغيرة في حياة الناس.
المشكلة هنا ليست في الحرص على القيم، بل في تحول الحرص إلى وصاية. فحين ننتقل من سؤال: كيف أصلح نفسي؟ إلى سؤال: كيف أضبط الآخرين؟ نكون قد غادرنا جوهر الصوم ودخلنا منطقة السلطة الرمزية. نمارس رقابة باسم الفضيلة، ونبرر التدخل باسم الغيرة، ونغلف فضولنا بعبارات دينية لائقة.
فلسفيا، هذا السلوك يكشف نزعة عميقة إلى السيطرة. الإنسان حين يعجز عن امتلاك ذاته، يبحث عن امتلاك غيره. وحين يفتقر إلى يقين داخلي، يعوضه بإدانة خارجية. لذلك تكثر في رمضان لغة التصنيف: هذا ملتزم، ذاك مقصر، هذه متدينة، ذاك متهاون. وكأننا في سباق علني لتوزيع شهادات الصلاح.
الأخطر أن هذا المناخ يخلق تدينا خائفا، لا تدينا حرا. فالفرد قد يلتزم لا عن اقتناع، بل اتقاء لنظرات الاتهام. وقد يخفي ضعفه لا سعيا إلى التوبة، بل هروبا من الفضيحة. وهنا تتراجع قيمة الصدق، ويتضخم منطق الصورة. يصبح المهم كيف نبدو، لا كيف نكون.
في الفضاء الرقمي يتضاعف الأمر. صور، تعليقات، تلميحات، أحكام جاهزة. يتحول الدين إلى مادة للنقاش الساخن، ويصير الناس موضوعا للفرز العلني. كل ذلك باسم النصيحة، بينما النصيحة في جوهرها فعل رحيم، لا عرضا استعراضيا.
نحن أمام مفارقة قاسية: شهر يفترض أن يعلمنا خفض الصوت، لكنه يتحول إلى ضجيج أخلاقي. شهر يراد له أن يحرر الإنسان من عبودية البشر، فإذا به يعمق خوفه من حكمهم. وهنا يضيع المعنى الأصيل للصوم: التحرر الداخلي.
النقد هنا ليس موجها لقيمة الأمر بالمعروف في بعدها الإنساني، بل لممارستها حين تفقد شرطها الأخلاقي: الحكمة، والستر، واحترام الكرامة. فحين تتحول النصيحة إلى فضح، والغيرة إلى تجسس، والإصلاح إلى تشهير، نكون قد شوهنا القيمة التي نزعم الدفاع عنها.
الإنسان ليس مشروعا للمراقبة الدائمة. له عثراته، وله صراعاته الخفية، وله مساره الخاص في الاقتراب من الله. وحين نتجاهل هذه الحقيقة، نختزل الدين في مظاهر سطحية، ونقيس الإيمان بما يرى، لا بما يعاش.
رمضان ليس محكمة اجتماعية، بل ورشة داخلية. ليس ساحة لإدانة الآخرين، بل فرصة لإعادة بناء الذات. من صام حقا، تعلم أن يصمت عن عيوب الناس قبل أن يتحدث عن فضائلهم. ومن فهم جوهر الشهر، أدرك أن قدسية السر أهم من صخب العلن.
المجتمع الناضج لا يراقب ضمائر أفراده، بل يثق في قدرتهم على النمو. أما المجتمع الذي يفتش في نيات الناس، فهو يعترف ضمنيا بعدم ثقته في نفسه.















