في الوقت الذي تُضخ فيه سنوياً اعتمادات مالية ضخمة من المال العام لدعم الإعلام العمومي، و على رأسه الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة، يزداد الجدل المجتمعي حول سؤال جوهري: ماذا يقدّم هذا الإعلام للمغاربة مقابل ما يُنفق عليه؟
و هل يعكس فعلاً انتظارات المجتمع و يحمي منظومته القيمية، أم أنه بات في بعض الأحيان أداة لإعادة إنتاج التفاهة و تصدير الرداءة؟
لا أحد يعارض مبدأ الاستثمار في الإنتاج السمعي البصري الوطني، بل إن دعمه يُعد ضرورة لحماية السيادة الثقافية و تعزيز الصناعة الإبداعية. غير أن الإشكال لا يرتبط بحجم الميزانية في حد ذاته، بل بطريقة تدبيرها، و بالنتائج التي تترتب عنها.
عندما تُرصد اعتمادات بملايين الدراهم لإنتاج أعمال درامية أو برامج ترفيهية، ثم تكون النتيجة محتوى هزيلاً، ضعيف البناء، سطحي الطرح، و أحياناً صادماً لقيم الأسرة المغربية، فإن الأمر يتجاوز مجرد اختلاف في الذوق الفني ليطرح سؤال الحكامة و الرقابة و ربط المسؤولية بالمحاسبة.
الخطير في بعض الإنتاجات ليس فقط رداءة الإخراج أو ضعف السيناريو، بل الرسائل الضمنية التي تمرَّر تحت غطاء “الواقعية” أو “ الجرأة الفنية”.
فحين تُقدَّم نماذج سلوكية منحرفة باعتبارها بطولات، أو يتم تطبيع العنف الأسري، أو تصوير الانحلال الأخلاقي كخيار عادي للحياة، فإن التأثير لا يبقى محصوراً في الشاشة.
الشباب، و هم الفئة الأكثر استهلاكاً للمحتوى السمعي البصري، يتأثرون بالصور و الرموز التي تُعاد صياغتها بشكل جذاب و مغرٍ. وهنا يصبح الإعلام، بدل أن يكون أداة بناء و تنوير، عاملاً من عوامل التشويش القيمي و التفكك الأسري.
الإعلام العمومي ليس منصة خاصة تبحث عن نسب المشاهدة فقط، بل مؤسسة ممولة من دافعي الضرائب، يفترض فيها أن توازن بين حرية الإبداع و المسؤولية الاجتماعية.
المحاسبة لا ينبغي أن تكون انتقائية أو رمزية. فالمسؤولية موزعة على عدة مستويات:
1- لجنة الانتقاء: التي توافق على المشاريع و تحدد الأولويات.
2- مسؤولو الإنتاج : الذين يشرفون على التنفيذ و يراقبون الجودة.
3- مسؤولو البرمجة و البث : الذين يختارون توقيت العرض و سياقه.
4- الآمرون بالصرف : الذين يوقعون على صرف المال العام.
5- السلطة الحكومية الوصية على القطاع : التي يفترض أن تراقب و تقيّم الأداء.
غياب الشفافية في معايير الانتقاء، وضعف نشر تقارير تقييم الأثر، وندرة المحاسبة العلنية، كلها عوامل تغذي الإحساس العام بأن هناك حلقة مفرغة من إعادة إنتاج نفس الأسماء، و نفس الأساليب، و نفس النتائج المتواضعة.
ليس المطلوب فرض رقابة أخلاقية متشددة تخنق الإبداع، و لا العودة إلى خطاب دعائي ممل، بل المطلوب هو:
– إرساء معايير واضحة للجودة الفنية و القيمية.
– نشر تقارير دورية مفصلة حول تكلفة الإنتاجات و مردوديتها.
– إشراك خبراء مستقلين و ممثلين عن المجتمع المدني في تقييم المحتوى.
الإعلام العمومي يجب أن يكون رافعة للوعي، و مجالاً لصناعة الأمل، لا منصة لتكريس الإحباط أو تسليع القيم.
المغاربة لا يرفضون الفن، و لا الدراما، و لا الكوميديا. بل يرفضون الاستهانة بعقولهم، و إهدار أموالهم في إنتاجات لا ترتقي لطموحاتهم. المال العام أمانة، و من يتصرف فيه يجب أن يخضع لمنطق التقييم و المحاسبة.
إن إصلاح الإعلام العمومي لا يبدأ بتغيير البرامج فقط، بل بتغيير فلسفة التدبير: من منطق “الصرف ثم التبرير”، إلى منطق “التخطيط ثم الإنجاز ثم المحاسبة”.
فحين يُصرف المال باسم المجتمع، يجب أن يعود الأثر إيجاباً على المجتمع. و كل إخلال بهذه القاعدة يستوجب مساءلة حقيقية، لا بيانات تبريرية عابرة.















