في سياق التحولات التنظيمية التي شهدتها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة خلال السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة إدارية تستحق التوقف والتحليل، تتمثل في الانتقال من مرحلة تعيين “مكلفين بمهمة” إلى توسع ملحوظ في تعيين مديرين مساعدين داخل عدد من المديريات، في ظل غياب إعلان واضح ومفصل للهيكل التنظيمي الرسمي للمؤسسة.
خلال المرحلة الأولى من إعادة هيكلة المؤسسة، أثارت صفة “مكلف بمهمة” جدلاً واسعاً داخل الأوساط المهنية، بسبب ضبابية المهام وحدود المسؤولية، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات ربطت هذه التعيينات أحياناً باعتبارات غير مهنية أو بمنطق المحسوبية. ومع تصاعد الانتقادات آنذاك، تراجعت هذه الصيغة نسبياً، غير أن نمطاً تنظيمياً جديداً بدأ يبرز، يتمثل في توسيع دائرة تعيين المديرين المساعدين.
من حيث المبدأ، لا يثير وجود مديرين مساعدين داخل مؤسسة إعلامية كبرى أي إشكال، بل يعد أمراً طبيعياً في سياق توزيع المسؤوليات وتخفيف العبء عن المديرين المركزيين. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المسمى الوظيفي بقدر ما يرتبط بالسياق الذي تتم فيه هذه التعيينات، ومدى ارتباطها بحاجات تنظيمية واضحة ومحددة داخل الهيكل الإداري للمؤسسة.
فحين لا يكون الهيكل التنظيمي منشوراً بشكل رسمي ومفصل، وحين لا يتم تحديد الاختصاصات بدقة، فإن أي تعيين إضافي قد يُفهم على أنه توسع غير مبرر في المناصب، أو إعادة إنتاج لآليات سابقة بصيغ جديدة. وهو ما يخلق لدى عدد من العاملين انطباعاً بأن الباب ما يزال مفتوحاً أمام ما يمكن وصفه بـ“توالد التعيينات” دون رقابة مؤسساتية واضحة أو معايير شفافة.
وتشير معطيات من داخل بعض المديريات التابعة للمديرية المركزية التقنية إلى أن الإشكال لا يرتبط بعدد المديرين المساعدين فقط، بل أحياناً بطبيعة ممارسة الدور الإداري نفسه. ففي بعض الحالات، بدل أن يشكل المدير المساعد دعامة تنظيمية تيسر العمل وتنسق الجهود، يتحول المنصب إلى مركز قرار موازٍ يربك مسار اتخاذ القرار.
وتتكرر، بحسب عدد من الأطر التقنية، مبادرات وتوجيهات لا تندرج دائماً ضمن اختصاص واضح، ما يؤدي أحياناً إلى تضارب في التعليمات وخلق حالة من الارتباك الإداري داخل فرق العمل.
وفي قطاع تقني حساس بطبيعته، حيث يتطلب العمل تركيزاً عالياً واستجابة سريعة للأعطال التقنية، فإن أي توتر إداري إضافي قد ينعكس مباشرة على المردودية وجودة الخدمة. فالتقني الذي يفترض أن ينصب تركيزه على ضمان استمرارية البث وسلاسة الخدمة العمومية، قد يجد نفسه أحياناً منشغلاً بتدبير توترات إدارية أو بتفسير تعليمات متباينة.
وتطرح هذه الوضعية مجموعة من الأسئلة المشروعة داخل المؤسسة: هل يتعلق الأمر بتعيينات تفوق طبيعة المسؤوليات المطلوبة؟ أم بسوء فهم لطبيعة الدور الذي يفترض أن يؤديه المدير المساعد؟ أم أن الأمر يعكس صراعات نفوذ داخلية غير معلنة؟
داخل المديرية التقنية، التي تضم كفاءات مشهود لها بالخبرة والتجربة، يظل الرهان الأساسي هو الحفاظ على مناخ مهني يسمح لهذه الطاقات بالاشتغال في ظروف مستقرة ومنتجة. فالإطار الإداري يفترض أن يكون عامل تحفيز وتيسير، لا مصدر ضغط إضافي.
في نهاية المطاف، لا تقاس قيمة أي منصب إداري بلقبه، بل بمدى قدرته على خلق قيمة مهنية حقيقية، وتعزيز الانسجام داخل فرق العمل، وتسهيل اتخاذ القرار.
لذلك يبدو أن التحدي الحقيقي اليوم داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لا يكمن في تكثير المناصب الإدارية، بل في ترسيخ حكامة مؤسساتية واضحة تقوم على نشر الهيكل التنظيمي بشكل رسمي وشفاف، وتحديد اختصاصات كل منصب بدقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق معايير موضوعية للأداء.
فالإعلام العمومي، بحكم تمويله من المال العام، مطالب بأعلى درجات الشفافية والنجاعة في تدبير موارده البشرية والتنظيمية. وأي اختلال في هذا المجال ينعكس بالضرورة على صورة المؤسسة وثقة العاملين فيها، قبل أن ينعكس على ثقة الجمهور.
فالمدير المساعد الحقيقي هو من يخفف العبء، ويوسع أفق الحلول، ويعزز الانسجام داخل المؤسسة. أما حين يتحول المنصب إلى مصدر توتر أو انسداد إداري، فإن السؤال لا يعود موجهاً إلى الأشخاص فقط، بل إلى فلسفة التعيين نفسها ومدى انسجامها مع متطلبات الإصلاح الحقيقي داخل الإعلام العمومي.















