* عبد الرزاق بوغنبور
في السنوات الأخيرة ظاهرة “التنسيقيات” مكاناً لافتاً في المشهد الحقوقي والمدني المغربي، وهي ظاهرة تستحق الوقوف عندها، لا لكونها طارئة أو عابرة، بل لأنها تكشف تحولات أعمق في بنية الفعل المدني والنضال من أجل الحقوق.
ففي بلد تزخر فيه الخريطة الجمعوية بعشرات الجمعيات الحقوقية ذات الصيت الوطني والامتداد التاريخي، يبدو للوهلة الأولى أن لا حاجة لهذه الأطارات الموازية والمؤقتة، التي تتأسس حول قضية معينة، أو فئة اجتماعية ما، أو حتى لحظة احتجاجية ظرفية. لكن، وبنظرة متفحصة، يمكننا أن نقرأ في انتشار التنسيقيات أعراضًا لمشكلة أعمق، وإشارات لتحول في أدوات النضال وشرعياته.
أزمة الوساطة وفقدان الثقة
من أهم دوافع ظهور التنسيقيات هو فقدان الثقة في الجمعيات التقليدية، إما لاعتقادهم أنها أصبحت أسيرة لمنطق البيروقراطية، أو لأنها فقدت حيويتها وقدرتها على الترافع الميداني. كما أن بعض هذه الجمعيات، رغم عراقتها، صارت في نظر البعض منخرطة في حسابات سياسية أو مؤسساتية حدّت من استقلاليتها وجرأتها.
من هنا، يجد الكثيرون في التنسيقيات فضاءً للتعبير المباشر والمفتوح، دون الحاجة للمرور عبر هياكل تنظيمية معقدة أو مساطر إدارية مرهقة. في التنسيقيات، الانتماء لا يُقاس بعضوية بل بالانخراط النضالي، والشرعية لا تُمنح من فوق بل تُكتسب من المعاناة الملموسة والانخراط في همّ الناس.
من الحقوق السياسية إلى الحقوق الاجتماعية
النضال الحقوقي اليوم لم يعد يقتصر على قضايا الحريات الفردية والمدنية، بل بات يشمل قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية: الحق في الشغل، في الصحة، في الكرامة، في العدالة المجالية. وهذه قضايا تلامس يوميًا حياة الناس، وتُفرز باستمرار حالات تهميش وتمييز وإقصاء.
في هذا السياق، تظهر التنسيقيات كإطارات قادرة على الاستجابة السريعة والتفاعل المباشر، دون أن تقف عند حدود التصريحات أو البلاغات. إنها تمثل شكلًا من “الديمقراطية الاحتجاجية” التي تسعى إلى التأثير في السياسات العمومية من خارج المؤسسات، وغالبًا من خارج التوافقات المعتادة.
تشتت أم تنوع؟ سؤال الوحدة
لكن هذه الدينامية الجديدة لا تخلو من إشكالات. فظهور عشرات التنسيقيات، أحيانًا حول نفس القضايا، قد يؤدي إلى تشتت الجهود وتضارب المبادرات. كما أن غياب التأطير القانوني الواضح، أو النضج التنظيمي أحيانًا، يجعل بعض هذه الإطارات عرضة للتوظيف السياسي أو الانتهازية الفئوية.
ومع ذلك، فإن الحكم على هذه التنسيقيات لا يجب أن يكون بالإقصاء أو الاحتقار، بل بالفهم والتحليل والسعي إلى إدماجها في أفق جبهة حقوقية مجتمعية أوسع، تتجاوز الحساسيات وتراكم الخبرات.
هل انتهى زمن الجمعيات؟
ليس من الحكمة اعتبار الجمعيات الحقوقية قد فقدت دورها أو صلاحيتها. بل المطلوب اليوم هو إعادة تجديد أدوارها وخطابها وآليات اشتغالها. يجب أن تكون الجمعيات قادرة على الإنصات للميدان، على الانفتاح على الفاعلين الجدد، على الاعتراف بأخطائها إن وُجدت، وعلى تجديد شرعيتها من خلال القرب، والاستقلالية، والفعالية.
فالجمعيات ليست كيانات مغلقة، بل يفترض أن تكون جسوراً بين المجتمع والدولة، بين الأفراد والمؤسسات، بين القانون والواقع.
نحو ميثاق حقوقي جديد
أمام هذا المشهد المتغير، ربما نحتاج إلى ميثاق حقوقي جديد، لا يكتفي بتنظيم العلاقة بين الدولة والجمعيات، بل يُعيد رسم العلاقة بين مختلف الفاعلين: جمعيات، تنسيقيات، نقابات، مبادرات مدنية مستقلة. ميثاق يقوم على مبادئ: الاستقلالية، التعاون، احترام التعدد، وترسيخ روح النضال الجماعي.
فلنربح رهان التنوع بدل أن نخسره في نزاعات الشرعية والتنافس غير المجدي.
في الختام لابد من التأكيد على أن التنسيقيات ليست بديلاً عن الجمعيات، ولا عيبًا في وجودها، بل هي علامة على تحوّل اجتماعي عميق. إنها صرخة من تحت، ومؤشر على أن الناس لم يستسلموا بعد. أما التحدي الأكبر، فهو ألا تظل الجمعيات الحقوقية شاهدة صامتة على تحولات المشهد، بل أن تنخرط، وتستمع، وتعيد بناء جسورها، قبل أن تُقصى من التاريخ الذي ساهمت في كتابته.















