تحتفظ الذاكرة الدرامية المغربية بلحظاتٍ نادرة يصبح فيها العمل التلفزيوني أكثر من حكاية؛ يصبح سؤالاً اجتماعياً مفتوحاً. هكذا حدث مع “الشرقي والغربي”، الذي سبق أن تناولناه في مقالتين مفصلتين هنا في صفحات “لوبوكلاج”.
نفس الكاتبات، نورا السقلي وسامية أقريو، اللتان كتبتا “الشرقي والغربي”، كتبتا الآن الموسم الثالث من “بنات لالة منانة”.
ومن هذه النقطة تحديداً يبدأ السؤال: حين يعود “بنات لالة منانة” في جزئه الثالث، هل يعود بوصفه امتداداً للذاكرة… أم اختباراً لقدرة الكتابة على تجاوزها؟ ¹ ²
الرهان هذه المرّة أكثر تعقيداً؛ لأن «بنات لالة منانة» لا يعود من نجاحٍ قريب، بل من مسافة زمنية طويلة تحوّل فيها العمل نفسه إلى ذاكرة جماعية.
الجزءان الأول والثاني أسّسا علاقة حميمة مع الجمهور عبر شخصيات نسائية نابضة وسردٍ اجتماعي بسيط في ظاهره وعميق في طبقاته، لكن الجزء الثالث يدخل مجالاً مختلفاً: مجال المقارنة القاسية بين ما كان يُشبه الاكتشاف الأول، وما يجب أن يكون اليوم إعادة اكتشاف واعية لا مجرّد استعادة.
هنا تحديداً تظهر قيمة التجربة الكتابية للكاتبات بعد أعمال لاحقة أكثر نضجاً؛ إذ لم تعد الكتابة تواجه سؤال التأسيس، بل سؤال التطوير.
نجاح الجزء الثالث يمرّ عبر قدرة النص على نقل الشخصيات من موقع الألفة إلى موقع التحوّل، أي أن تصبح الذاكرة مادة درامية لا إطاراً ثابتاً. فالدراما التي تنجح بعد الغياب ليست تلك التي تعيد تقديم ما أحبّه الجمهور، بل تلك التي تمنح الجمهور سبباً جديداً ليحبّه.
أولى مقوّمات هذا النجاح تكمن في وضوح الرؤية الدرامية: أن يعرف العمل ماذا يريد أن يقول اليوم، لا ماذا قال سابقاً.
فانتقال الشخصيات إلى مرحلة عمرية واجتماعية مختلفة يفتح إمكانات واسعة لسردٍ يتناول تحوّلات العائلة، وصراع الأجيال، وتبدّل القيم داخل المجتمع المغربي. حين تتحول هذه التحوّلات إلى سؤال مركزي في الكتابة، يصبح الجزء الثالث مساحة توسّع لا مساحة تكرار، ويكتسب العمل شرعيته الفنية بوصفه استمراراً متجدداً لا امتداداً آلياً.
المقوّم الثاني يتعلّق بالإيقاع السردي، وهو العنصر الأكثر هشاشة في الأعمال العائدة بعد غياب. فالإفراط في الشرح واستدعاء الماضي قد يبطئ الحكاية ويحوّلها إلى أرشيفٍ مصوَّر بدل أن تكون دراما حيّة.
الإيقاع الناجح هنا هو ذلك الذي يوازن بين الإشارات الذكية للذاكرة وبين دفع السرد إلى الأمام، بحيث يشعر المتلقي أنه يلتقي الشخصيات من جديد، لا أنه يشاهد ملخّصاً طويلاً لما عرفه سابقاً.
أما المقوّم الثالث فيرتبط بجرأة الاختيار الدرامي: جرأة فتح مسارات غير متوقعة للشخصيات، وترك مساحة للتناقض والنضج والخسارة. الأعمال التي تعود بعد سنوات تميل أحياناً إلى حماية شخصياتها خوفاً من صدمة الجمهور، غير أن القيمة الفنية الحقيقية تظهر حين تُعامل الشخصيات ككائنات قابلة للتغيّر لا كرموز يجب الحفاظ عليها. عندها فقط يصبح التطوّر جزءاً من صدقية العمل، لا مخاطرةً محسوبة.
في المقابل، تبرز الفخاخ التي قد تُربك التجربة. أولها فخّ النوستالجيا حين تتحول الذاكرة إلى سلطةٍ تُقيّد الكتابة بدل أن تلهمها؛ فيصبح العمل أسير لحظاته الأولى وصوره المحبوبة. وثانيها فخّ التحديث القسري، عندما يسعى النص إلى مواكبة الواقع بسرعةٍ تفقده نبرته الأصلية، فيبدو معاصراً في الشكل ومفككاً في الروح.
أما الفخّ الثالث فيكمن في الاتكاء على الاسم التاريخي للعمل باعتباره ضمانةً كافية، بينما جمهور اليوم أكثر حساسية تجاه التكرار وأشدّ توقاً إلى المعنى.
من هنا يصبح السؤال النقدي أكثر دقّة: ليس ما إذا كان الجزء الثالث سينجح جماهيرياً، بل ما إذا كان سينجح فنياً في إعادة تعريف نفسه.
النجاح الحقيقي لا يُقاس بقدرة العمل على استعادة جمهوره القديم فقط، بل بقدرته على خلق مسافة جديدة بينه وبين ذاته السابقة؛ مسافة تسمح بالتحوّل دون القطيعة، وبالاستمرار دون التكرار. إنها لحظة كتابة تختبر معنى النضج أكثر مما تختبر معنى الشعبية.
بهذا المعنى، يقف الجزء الثالث عند تقاطعٍ حساس بين ذاكرة صنعت محبّة واسعة وتجربة كتابية اكتسبت وعياً أكبر عبر أعمال لاحقة.
وإذا كان «الشرقي والغربي» قد مثّل لحظة إثباتٍ لقوة الرؤية وقدرتها على مساءلة الواقع، فإن «بنات لالة منانة» في عودته يواجه اختباراً مختلفاً: اختبار تحويل الحنين إلى فكرة، وتحويل الاستمرار إلى موقف جمالي. عندها فقط يمكن للعمل أن لا يعود بوصفه حدثاً منتظراً فحسب، بل بوصفه خطوة جديدة في مسار الدراما المغربية نفسها.
تُعد عودة “بنات لالة منانة” بعد النجاح الفني لـ”الشرقي والغربي”، الذي لم يتح له الظهور الجماهيري الكافي بسبب توقيت بثه غير المواتي، خطوة تثير التساؤل حول مدى قدرة الكتابة على تجاوز حدود الذات واستشراف آفاق جديدة.
فمن جهة، تمثل هذه العودة فرصة للكاتبات لاستثمار خبرتهما في صياغة دراما أكثر تعقيداً، تستلهم من تحولات المجتمع المغربي دون أن تفقد بريقها السردي. ومن جهة أخرى، يظل الخطر يكمن في احتمال تحول العمل إلى مجرد توثيق للذاكرة بدل أن يكون مساحة للابتكار والتجديد.
ربما كانت الكاتبات يسعيان إلى إعادة تعريف علاقتهما بعالم “بنات لالة منانة”، مستفيدتين من النجاح الذي حققتاه في أعمال لاحقة، أو ربما أرادتا اختبار قدرتهما على تقديم رؤية أكثر نضجاً وجرأة، أو حتى السعي لتحويل هذا العمل إلى نجاح جماهيري واسع يعوض غياب الظهور الجماهيري لـ”الشرقي والغربي”.
الاحتمالات متعددة، لكن السؤال يبقى قائماً: هل ستستطيع “بنات لالة منانة” أن تتحرر من قيود الماضي وتقدم دراما تليق بتطلعات جمهور اليوم؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه بعد مشاهدة العمل.















