ليست كل الأغاني التي تحقق ملايين المشاهدات تترك أثرا، وليست كل الأعمال التي تواكب موجة “الترند” تنجح في الصمود أمام الزمن.
ففي مقابل الانتشار المتزايد للأغنية التجارية، يختار عدد من الفنانين المغاربة خوض تجربة مختلفة، تجعل من الموسيقى وسيلة للحفاظ على الهوية والتعبير عن قضايا المجتمع.
ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان الأمازيغي أحمد الفاهيم، المعروف فنيا باسم “باناما”، الذي يسير بخطى ثابتة نحو بناء مشروع فني يزاوج بين أصالة الأغنية الأمازيغية وحداثة التوزيع الموسيقي.
ويأتي هذا التوجه في وقت تعرف فيه الأغنية الأمازيغية حركية متجددة، بفضل بروز جيل جديد من الفنانين الذين يسعون إلى تطوير هذا اللون الموسيقي، دون التفريط في مقوماته الثقافية واللغوية، مستفيدين من المنصات الرقمية للوصول إلى جمهور أوسع داخل المغرب وخارجه.
ويرى أحمد الفاهيم، في حديثه عن رؤيته الفنية، أن “الأغنية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل رسالة تحمل قيما وهوية، لذلك أحرص على أن تكون كل أغنية امتدادا لثقافتنا الأمازيغية، وتعكس هموم الإنسان البسيط وآماله”. ويضيف أن المحافظة على اللغة الأمازيغية داخل الأغنية لا تعني الانغلاق، بل يمكن أن تتعايش مع التوزيع الموسيقي الحديث بما يضمن وصولها إلى مختلف الأجيال.
وتعكس أعمال “باناما” هذا التوجه، إذ تتناول مواضيع مستوحاة من الواقع الاجتماعي والإنساني، من بينها قيم المحبة والوفاء، والعلاقات الأسرية، والحنين إلى الأرض، والهوية الثقافية، والهجرة، وطموحات الشباب، إلى جانب قضايا ترتبط بالحياة اليومية، في قالب فني يجمع بين الكلمة الهادفة واللحن الأمازيغي والإنتاج العصري.
ويضم رصيد الفنان مجموعة من الأغاني التي صنعت حضورا لافتا داخل الساحة الأمازيغية، من بينها “يان دار إيناس إطهلد گيس”، و”تكليت أوهوي”، و”ولين أودي يات نعيبالتي”، و”ساقساهلي گينغ”، و”توي دونيت أفكان”، و”ماشي زين أفاك ساولغ”، و”بامباري لگناوي”، و”ماخ أكمازين إيناغ ززين”، و”أسكاس أماينو”، و”مانيك أتنگيت”، إضافة إلى أغنيتي “فيس” و”المغرب”، وهي أعمال تتنوع في مضامينها بين الاجتماعي والثقافي والوجداني، مع الحفاظ على الطابع الأمازيغي في الكلمة واللحن.
ويعتبر متابعون للشأن الفني أن تجربة أحمد الفاهيم تعكس اتجاها متناميا داخل الأغنية الأمازيغية، يقوم على الاستثمار في جودة المحتوى، وإعادة الاعتبار للكلمة والهوية، في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الموسيقي المغربي، حيث أصبح الجمهور أكثر ميلا إلى الأعمال التي تجمع بين الجودة الفنية والرسالة الإنسانية.
ولا يخفي الفنان طموحه في توسيع دائرة انتشار الأغنية الأمازيغية، معتبرا أن المنصات الرقمية أتاحت للفنانين الشباب فرصة الوصول إلى جمهور عالمي دون التخلي عن خصوصيتهم الثقافية. كما يواصل الاشتغال على إنتاجات جديدة ينتظر أن ترى النور خلال الفترة المقبلة، في إطار رؤية فنية تقوم على تقديم أعمال تحمل قيمة فنية وثقافية، وتساهم في إبراز غنى التراث الموسيقي الأمازيغي.
وبين التمسك بالأصالة والانفتاح على التجديد، يواصل أحمد الفاهيم، أو “باناما”، ترسيخ حضوره داخل المشهد الفني المغربي، في تجربة تراهن على أن الأغنية يمكن أن تكون أكثر من مجرد عمل ترفيهي؛ بل لغة تحفظ الذاكرة، وتعبر عن الإنسان، وتمنح الثقافة الأمازيغية مساحة أوسع للحضور في المشهد الموسيقي الوطني.














