رفض عملاقَين تكنولوجيَّين عالميَّين يكشف نمطاً تنظيمياً يحمي المصالح المحلية على حساب المنافسة والمستهلك.
لن تدخل Starlink ولا Revolut إلى السوق المغربية. ليس لأنهما لا تستوفيان المتطلبات التقنية أو القانونية، بل لأن الفاعلين الموجودين لن يسمحوا بذلك. هذا على الأقل ما يتداوله المغاربة على منصات التواصل الاجتماعي في أعقاب تصريحات الوزير بنشعبون حول سوق الاتصالات والعوائق الضمنية أمام شركات التكنولوجيا المالية الأجنبية. انفجر النقاش هذا الأسبوع على منصة X، إذ أبدى آلاف المغاربة إحباطاً متراكماً منذ سنوات.

Revolut تطرق الباب… والمغرب لا يفتح
إشارة Revolut إلى اهتمامها بالمغرب لا تترك مجالاً للشك. في نوفمبر 2025، عيّن البنك الرقمي البريطاني ياسين فقير، نائب رئيس Mastercard لمنطقة شمال أفريقيا وأفريقيا الناطقة بالفرنسية، رئيساً تنفيذياً لعملياته في المغرب. وقبل ذلك بأشهر، استقطب أمين برادة، المدير التشغيلي السابق لـUber في جنوب أوروبا وشرقها، مسؤولاً للعمليات في البلاد. توظيفان من الصفّ الأول، بخلفية محلية وخبرة تنظيمية عميقة. شركة لا تُقدم على هذا إن لم تكن جادة تماماً.
كانت الخطة واضحة: البدء كمشغّل للمدفوعات والحصول على رخصة مصرفية كاملة في غضون عامين. Revolut حاضرة في 42 دولة بأكثر من 52 مليون عميل. دخلت أسواقاً أشد تعقيداً بكثير. ومع ذلك، في المغرب، الطريق مسدود.
المنافسة ليست تهديداً، بل محرّك نموّ
الحجة التي يسوقها المدافعون عن الوضع الراهن هي استقرار النظام المالي. غير أن التاريخ الاقتصادي يقول شيئاً مختلفاً تماماً: المنافسة لا تدمّر الأسواق، بل تُحسّنها. حين يدخل فاعلون جدد بمنتجات أفضل وأسعار أدنى، يجد الفاعلون القائمون أنفسهم أمام خيارَين: التكيّف أو خسارة العملاء. والغالبية العظمى تختار التكيّف. والمستهلك هو الرابح.
في الحالة المغربية، سيكون الأثر مباشراً وملموساً. حوّل المغاربة في الخارج أكثر من 117 مليار درهم إلى بلدهم خلال عام 2024، وغالباً ما تُقتطع عمولات مرتفعة ورسوم ثابتة من هذه التحويلات. Revolut ستتيح تحويلات دولية شبه مجانية وبطاقات متعددة العملات. لكن الأثر لا يقف عند التحويلات: المنافسة ستضغط على البنوك لتخفيض عمولاتها، وتقليص الفوائد على القروض، وتبسيط إجراءاتها البيروقراطية التي تجعل أبسط العمليات المالية اليومية عبئاً حقيقياً على المواطن.
البنوك المغربية تشتهر بإجراءاتها المعقدة وبطئها في معالجة أبسط الطلبات. فتح حساب، تحويل مبلغ، الحصول على قرض صغير، كلها عمليات تستغرق وقتاً وجهداً لا مبرر له في عالم رقمي. دخول منافس رقمي بتجربة مستخدم سلسة وسريعة كـRevolut كان سيجبر هذه البنوك على إعادة النظر في طريقة عملها بالكامل، لا من باب الرغبة، بل من باب الضرورة.
الأمر ذاته ينطبق على Starlink، شركة الإنترنت الفضائي المملوكة لإيلون ماسك. ملايين المغاربة في المناطق الريفية والهامشية لا يزالون محرومين من إنترنت ذي جودة، فيما تبقى السرعات منخفضة وخدمة الدعم ضعيفة حتى في المدن. شركات الاتصالات القائمة لم تُحلّ هذه المشكلة رغم سنوات من الوعود. المنافسة الفضائية كانت ستحلّها في أسابيع، وكانت ستُرغم شركات الاتصالات على تحسين جودة خدماتها وخفض أسعارها. لكنها لا تريد هذه المنافسة، والمنظّم لا يبدو مستعداً لفرضها.
خلاصة القول: المنافسة الحقيقية كانت ستوفّر على المغاربة في كل الاتجاهات، أقل عمولات على التحويلات، فوائد أدنى على القروض، أسعار اتصالات أرخص، وخدمات مصرفية أسرع وأبسط.
نمط يتكرر
هذه ليست حالة معزولة. النمط يتكرر منذ سنوات: اهتمام مشروع من مشغّل أجنبي، مسار تنظيمي ضبابي، نتيجة سلبية. لم تُمنح أي رخصة مصرفية لمشغّل أجنبي في المغرب منذ أكثر من عقد. وفي العمق، المستفيدون أنفسهم دائماً: الفاعلون الموجودون مسبقاً.
لا يعني هذا سذاجةً في التعامل مع مفهوم السيادة التنظيمية. للدول حقٌّ مشروع في التحكم بمن يعمل في أنظمتها المالية وقطاع الاتصالات. لكن ثمة فرق جوهري بين التنظيم الرقابي الحصيف والاستيلاء التنظيمي. الأول يحمي المستهلك. الثاني يحمي الشركات القائمة على حساب المستهلك.
الطموح يصطدم بالواقع
يطمح المغرب إلى أن يكون المركز المالي والتكنولوجي لأفريقيا. هذا الطموح حاضر في كل الخطابات الرسمية وخطط التنمية. لكن مركزاً ريادياً لا يُبنى فوق سوق محمي لفائدة قلّة. المستثمرون الدوليون والمقاولون والكفاءات الرقمية يراقبون كيف تعمل الأسواق فعلياً، لا كيف تصفها البلاغات الرسمية.
السؤال الذي يطرحه المغاربة على الشبكات الاجتماعية بسيط وقاطع: كيف تريد أن يتطور البلد إن لم تترك المجال للمنافسة؟ سؤال لم تجد له الحكومة إجابة بعد.















