بزغ فجر السابع من أكتوبر لعام 2023 ليسقط أسطورة الحصانة الإسرائيلية التي طالما تغنت بها.
لم يكن ما حدث مجرد إخفاق عابر، بل كان انهيارا استراتيجيا عميقا لمنظومة أمنية واستخباراتية اعتبرت لعقود مضرب المثل.
وقد جاءت مرارة هذا الانهيار موثقة باعترافات المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، حيث أقرت تقارير الجيش والشاباك الرسمية بفشل ذريع في تقدير نوايا المقاومة، وبتجاهل تحذيرات كانت تنذر بالخطر الوشيك.
في قلب هذه الخسارة المذلة، وحين هرع قادة الجيش للاعتراف بمسؤوليتهم، برز سلوك رجل واحد يرفض بعناد تحمل أي لوم، مفضلا إلقاء التهم على مرؤوسيه. هنا، خلع بنيامين نتنياهو عباءة زعيم الكيان الصهيوني، ليكتفي بدور مدير مسرح سياسي يسعى بكل السبل للحفاظ على استمرارية عرضه الشخصي.
فأصبحت قراراته تكتيكات يائسة للبقاء في السلطة، وإطالة أمد الحرب كستار دخان كثيف يحجب قضايا فساده، ويبقي على ائتلافه الهش متماسكا.
لقد تحولت قيادته إلى بهرجة واستعراض، حيث التباهي بانتصارات لا تقوم على المواجهة والندية، بل ترتكز على القوة التكنولوجية العمياء التي توفرها واشنطن بسخاء.
فبدلا من النزال الشريف، نرى اعتمادا مهووسا على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحول آلاف البشر إلى أهداف رقمية، وعلى قنابل فتاكة تسقطها أحدث الطائرات. إنه سيرك القوة الذي يخفي وراءه فراغا استراتيجيا، وقائدا يعامل الساحة السياسية كمنصة لأدائه، لا منبرا للقيادة الرصينة.
لكن التاريخ، وهو الحكم الأكثر إنصافا، يسجل لنا حقيقة أزلية: إن وهم القوة المادية والتفوق التكنولوجي لم يكن يوما ضمانة للنصر.
ففي فيتنام، واجهت أقوى قوة عسكرية في العالم مقاومة لم تكن في الحسبان. لقد استطاع الفيتناميون، بإرادتهم الصلبة وإبداعهم المذهل المتمثل في شبكة أنفاق معقدة، أن يحيدوا التفوق التكنولوجي الساحق للجيش الأمريكي. لقد أثبتوا أن الإيمان العميق بالقضية والارتباط العضوي بالأرض يمكن أن يتفوق على أعتى الترسانات، وأن الإرادة البشرية هي السلاح الحاسم في نهاية المطاف.
وهذا بالضبط ما يميز الفلسطينيين في مواجهة هذا السيرك الدموي. فعلى النقيض من الاعتماد على القوة المستوردة، يتجذر نضالهم في عقيدة راسخة وإيمان لا يتزعزع بعدالة قضيتهم.
إن مفهوم الصمود ليس مجرد آلية للتكيف، بل هو استراتيجية وجودية تحول المعاناة إلى تضحية، والهزيمة المادية إلى انتصار أخلاقي. هذه الروح التي لا تقهر، والتي تنظر إلى الأرض والهوية كقيمة مقدسة، تجعل من ردع أصحابها أمرا شبه مستحيل بالمنطق العسكري التقليدي.
إنها قوة من نوع آخر، قوة الحق الأصيل الذي يمتلك في جوهره ديمومة تفوق قوة السلاح المادي.
وبينما ينشغل نتنياهو بمسرحه للحفاظ على كرسيه، يراهن الفلسطيني على قوة داخلية لا تنضب، متجذرة في الأرض والإيمان. وفي النهاية، سيسدل الستار على هذا السيرك، وستتلاشى بهرجة القوة المصطنعة، ولن يبقى إلا حكم التاريخ الدائم الذي لا يحابي إلا أصحاب الحق. فالتاريخ يثبت دائما أنهم هم من ينتصرون في النهاية.















